وقفة : بين الأكل بالملعقة والأكل باليد – د.محمد رشيد العويّد

وقفة : بين الأكل بالملعقة والأكل باليد
د.محمد رشيد العويّد

قال : مازال فيكم من يأكل بيديه؟!

قلتُ : وماذا في هذا؟

قال: نحن في القرن الحادي والعشرين، والناس في العالم كله تقدموا وتحضّروا، وفيكم من يأكل بيديه؟

قلت : وهل ترى الأكل بالملعقة والشوكة دلالة تحضُّر وتقدُّم؟!

قال : أجل !

قلت : كيف ؟

قال : أول شيء: النظافة.

قلت : وهل تطمئن إلى نظافة الملاعق والشُّوَك التي تأكل بها كما تثق بنظافة يدك ؟

قال : كيف ؟

قلت : يدي أنا أغسلها بنفسي فأطمئن إلى نظافتها، بينما غيري يغسِل الملاعق والشُّوَك فكيف أطمئن إلى نظافتها؟!

قال: غاب هذا عني والله.

قلت : هناك فوائد أخرى لتناول الطعام باليد أثبتها العلم الحديث.

قال : مثل ماذا؟

قلت: اللمس من أقوى الحواس؛ وحين يلمس الإنسان الطعام بيده يتم إرسال إشارات إلى الدماغ الذي يرسل بدوره إشارات أقوى إلى المعدة تساعدها على إفراز العصارات الهاضمة ومن ثمّ تحسين عملية الهضم.

قال: بسم الله ماشاء الله، هل هناك فائدة سواها؟

قلت: من فوائد الأكل باليد التحكم في كمية الطعام الذي نتناوله لسرعة إدراكنا حجم مانتناوله منه، إذ تحسّه اليد إحساساً أقوى من إحساسنا به بالملعقة التي يكون الأكل بها آليًّا.

قال: جميل.. جميل.. وماذا أيضاً؟

قلت: لمس الطعام بالأصابع يجعل الإنسان يحسّ بحرارته فلايضعه في فمه وهو حارّ جدًّا فيتجنب بهذا حرق اللسان شديد الحساسية والذي يتضرّر كثيراً بالطعام الحارّ جدّاً، وهذا ما يحدث كثيراً لمن يتناول طعامه بالملعقة فيحرق لسانه ويقتل كثيراً من حلمات التذوّق.

قال: فعلاً هذا ما يحدث، ولقد حرقت لساني مِراراً قبل ذلك بتناولي طعاماً ساخناً جداً.

قلت: وأختم بأمر هو أن الاستمتاع بطِيب الطعام وتذوّقه يقل حين تدخل الملعقة الفم ويلامس معدنها اللسان.

قال: صدقت، والله هذا ما أحس به حين آكل المحشي بيدي وحين أقطعه قطعاً أضعها في فمي بالملعقة.

قلت: الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات.

Advertisements

لن تستقيم لك فاصبر – د.محمد رشيد العويّد

لن تستقيم لك فاصبر
د.محمد رشيد العويّد

في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه يُنَبِّه النبي (ﷺ) كل رجل إلى طبيعة في المرأة؛ هي أنها لاتثبت على أسلوب في تعاملها معه؛ يستطيع به أن يثبت على طريقة واحدة دون غيرها في معاملته لها.
يقول (ﷺ) للرجل: (لن تستقيم لك على طريقة)، أي اعلم أيها الزوج أنه ليس هناك طريقة واحدة بعينها تسلُكها في تعاملك مع زوجتك لتكون لك كما تتمنى وتشتهي؛ فأعدّ نفسك لتغييرات عدّة، بقدر تغيُّر أحوالها وسني عمرها، فهي في أيام حيضها غيرها في أيام طهرها، وهي في الثلاثين غيرها في الأربعين أو الخمسين أو الستين من عمرها.
ففي دراسة علمية تبين أن الحال التي تريد المرأة أن يكون زوجها عليها تختلف من عُمر إلى عُمر، ففي العشرين تُفَضِّل المرأة أن يكون زوجها وسيماً جذّاباً، طموحاً، أنيقاً رومانسيّاً.
وفي عُمْر الثلاثين تُفَضّله مازال مهتمّاً بها، حريصاً عليها، يفتح لها باب السيّارة ، ويدعوها إلى العشاء خارج المنزل، ويُنصِت إليها أكثر ممّا يتكلم، ويمتدح طعامها ويضحك من فكاهاتها.
أما في الأربعين فإن توقعاتها من زوجها تصبح أقل رومانسية؛ فهي تريده أن يعمل أكثر خارج المنزل، ولايهمل نظافته، ويُقَلِّل من الفوضى التي يعيش فيها.
وفي الخمسين تُفضّل أن لايكرر زوجها فكاهاته مرات عدّة، وأن يمتثل لأوامر الطبيب، وأن لاينام أمام التليفزيون، وأن تكون ألوان ثيابه متناسقة، وأن لايُكثِر من طرح الأسئلة.
وعندما تبلغ المرأة الستين من عمرها فإنها تريد من زوجها أن يتوقَّف عن الشكوى والتذَمُّر، وعن طرح كثير من الأسئلة، وأن يتناول دواءه بنفسه دون استعانة بها.
أما إذا بلغت السبعين فإنها تكتفي من زوجها بأنه مازال يتنفّس.!
نتائج هذه الدراسة التي قام بها علماء النفس في جامعة ماساتشوستس الأميريكية، تُظهر جانباً من جوانب إعجاز حديثه (ﷺ) في وصف طبيعة المرأة المتغيّرة التي لاتثبت على حال: (لن تستقيم لك على طريقة)، ونص الحديث كاملاً كماأخرجه مسلم في صحيحه : عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله (ﷺ): (إن المرأة خُلِقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عِوَج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها). صحيح مسلم.
يقول النووي رحمه الله: وفي هذا الحديث ملاطفة النساء والإحسان إليهن والصبر على عِوَج أخلاقهن واحتمال ضعف عقولهن ، وكراهة طلاقهن بلا سبب وأنه لا يطمع باستقامتها.

لِنُنصت إليهم – د.محمد رشيد العويّد

لِنُنصت إليهم
د.محمد رشيد العويّد

في الإنسان حاجة فطرية إلى من ينصت إليه ويستمع له، ويهتم بحديثه، ويتفاعل معه، فيواسيه إن كان حزيناً، ويرشده إن كان حائراً، ويُجيبه إن كان سائلاً.
ولقد أدرك كثير من المهتمين بالتخفيف عن الناس ، وتقديم المشورة لهم ، أهمية الإنصات، فأعلنوا عن أرقام هواتف يمكن لمن يتصل بأحدها أن يجد من المتخصصين من ينصت إليه، ويهتم بسؤاله، ويتفاعل مع شكواه، ويرشده ويوجّهه.
في فرنسا مثلا؛ أنشأت جمعية (صداقة) خطاً هاتفياً ساخناً خلال عطلة رأس السنة وأعياد الميلاد، فبلغ عدد الاتصالات خلال تلك المدة القصيرة 701947 اتصالاً؛ بزيادة 150 ألف اتصال عن العام الذي سبقه، وتوقّع المسؤولون تواصل الزيادة في السنوات المقبلة.
وقال المشرفون على هذه الخدمة إنهم يقدمون نصائح محددة للمتصلين، ويشيرون عليهم، ويرشدونهم، ويتيحون لهم إطلاق مشاعرهم دون أي تدخل منهم أحياناً حتى تهدأ أعصابهم.
ولقد وفّرت هذه الخدمة عِدّة دول في الخليج، وفي مقدمتها دولة الكويت، فكانت ثمراتها طيِّبة نافعة.
لهذا أقترح أن نزيد عدد الأرقام الهاتفية التي تستقبل اتصالات الراغبين في الحصول على فتوى شرعية، أو استشارة في قضية تربوية أو زواجية أو اجتماعية.
وليت الصحف اليومية تساهم بالتطوع بنشر أرقام تلك الهواتف يوميّاً حتى تكون في متناول الجميع، ويُفضل أن تكون الأرقام قليلة الخانات حتى يسهل حفظها واسترجاعها عند الحاجة.
كما يحسُن أن تُسجَّل تلك المكالمات حتى يُراقِب المتصل والمُجيب مايقولانه، وأن يعلم المتصل ذلك قبل أن يبدأ في حديثه.
وأرى أن في هذا تأسِّياً بالنبي (ﷺ) الذي كان يُنصت إلى من يسأله أو يُحدّثه بحاجته ولايتركه حتى يتم عرضه لها؛ فعن ثابت بن أنس رضي الله عنهما أن امرأة كان في عقلها شيء قالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال:( يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك)، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها. صحيح مسلم.
هكذا نجد النبي (ﷺ) يستجيب لها على الفور دون أن يؤجِّلها، وهذا ما يحتاجه كثير من الناس، فيجدون ذاك الاتصال الهاتفي يلبيهم دون حاجة منهم إلى أخذ مواعيد والخروج من بيوتهم.
كذلك وجدناه (ﷺ) يترك للمرأة حرية اختيار المكان الذي تريد حتى يسمع منها بعيداً عن الناس، وكذلك في الاتصال الهاتفي فإن المتصل يريد أن لايسمعه أحد آخر من الناس وأن لايعرفه.
قال النووي رحمه الله: في هذه الأحاديث بيان بروزه (ﷺ) للناس، وقُربه منهم، ليصل أهل الحقوق إلى حقوقهم، ويرشد مسترشدهم؛ ليشاهدوا أفعاله وتحرّكاته فيُقتدى بها، وهكذا ينبغي لولاة الأمور.
فلنستن بسنته (ﷺ)، وننصت لأحاديث الناس إلينا، ونهتم بحاجاتهم مِنّا، فننصحهم ونشير عليهم، ونواسيهم ونخفف عنهم، ونبشرهم.

قبل أن يقتلنا اللَّوْم – د.محمد رشيد العويّد

قبل أن يقتلنا اللَّوْم
د.محمد رشيد العويّد

ما أسهل لوْم الآخرين، وما أصعب سماعه وتلقِّيه.
ولقد قيل: اللَّوْم قتَّال.. لم يقولوا: قاتل بل قتَّال، بصيغة المبالغة، أي كثير القتل وشديد القتل.
ولا شك في أن اللَّوْم يقع بين الزوجين أكثر؛ لأنهما معاً وقتاً أطول من الوقت الذي يكون فيه أي اثنين آخريْن معاً، وهو لذلك أيضاً أسهل في إطلاقه وأصعب في استقباله، وهو من أكثر أسباب حدوث النزاع بين الأزواج.
يسعى اللائم إلى إعفاء نفسه من مسؤولية حدوث خطأ أو ضرر بإلقائها على الآخرين، وإذا كان يريح نفسه بتنصِّله من أي مسؤولية فإنه يؤلم الآخرين ويحزنهم ويحبطهم ويصدمهم بلوْمهم وتحميلهم مسؤولية ما حدث.
ولعل الآخرين يقابلون لائمهم بإرجاع اللوم إليه دفاعاً عن أنفسهم فيقولون: بل أنت السبب في ما حدث؛ ولولا أنك فعلت كذا وكذا لما حدث ما حدث .
وبذلك تنقدح شرارة نار جدال مدمِّر، ونزاع مرير يثير الضغائن ويحرق المودّة .
ولاتّقاء هذا كله علينا أن ندرب أنفسنا على هجر اللوم، لَوْم الآخرين، بالحرص على ما يلي:
– عدم الغضب، لأن الغضب يُفقد السيطرة على النفس، ويمنع التفكير السديد، ويجعل الإنسان يتهم غيره ويلومه.
– البدء بعبارة: (لعله خير)، أو (حصل خير)، أو (الحمد لله، هذا خير مما لو حدث كذا أوكذا)، أو (المهم طمنوني عن…).
– لوم النفس؛ كأن يقول: (الحق علي)، أو(هذا بسبب انشغالي بعملي..)، أو (يجب عليّ مستقبَلاً أن أُقلِّل من أسفاري…)… وهكذا.
– دعوة الجميع إلى التشاور لعلاج ما حدث أو تجاوزه بمثل هذه العبارة: (ماذا تقترحون أن نفعل الآن؟) أو (لنؤجل الحديث حول ذلك إلى ما بعد تناول الطعام….).
– التهوين ممَّا حدث ومواساة الجميع، كما قال يوسف عليه السلام لإخوته حين اعترفوا بخطئهم: ﴿…وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(92)﴾.