ولماذا أنت غاضب؟! – د.محمد رشيد العويّد

ولماذا أنت غاضب؟!

د.محمد رشيد العويّد

حين يقوم أحد الزوجين بإثارة غضب الآخر ثم يُبدي عجبه من غضبه فإنه مثل من يطفئ النار بسكب الزيت عليها بدلاً من الماء.

هذا الزوج أو الزوجة، في غاية السلبية، السلبية المُدمِّرة، لأنه بدلاً من أن يواسي صاحبه، ويتلطّف به، ويعتذر منه، يتجاهل إساءته إليه، وتعدّيه عليه، ليظهر بمظهر الحَمَل الوديع البريئ.

هذا الإنسان يُخطئ وينسب الخطأ لصاحبه، يُقصِّر ويتهمه بالتقصير، يُسيء إليه ثم يسأله: لماذا تسيء إليّ؟!!

لاشك في أن هذا السلوك السلبي العدواني في قمة الاستفزاز، ولابدّ لمن يتصف به من علاج، لأن الزوج الآخر الذي يعيش معه يحتاج قدراً عظيماً من الصبر لايملكه إلا قليل من الناس.

وكثيراً ما يتصف صاحب هذا السلوك أيضاً بالبرود الشديد، وعدم الاكتراث، وضَعف المشاعر، وغِلْظة الطبع، وقسوة القلب.

كذلك قد نجده يتنصّل من وعوده، ولايفي بها، وقد يُنكرها، فيُعطِّل إنجاز كثير من الأعمال والواجبات، حتى يصبح عبئاً ثقيلاً على صاحبه.

ما الحل؟ كيف العلاج؟

لابدّ، أولاً، من قدر كبير من الصبر عليه، ومضاعفة الحِلْم على كثير من سلبياته وتصرفاته.

ثم نحرص على الجمع بين الحزم والتسامح؛ فنسامحه مع إبداء الحزم في أن فِعله الخاطئ، أو إهماله أو تقصيره، لن يتم التسامح معه إذا تكرر.

وننفذ وعيدنا بعدم التسامح إذا تكرر الخطأ، حتى يكون للوعيد أثره الفاعل.

قد نتعب، بل سنتعب فعلاً ونضيق، لكن علينا ألا نيأس، وألا نستعجل التغيير المأمول منه، فقد يستغرق ذلك زمناً طويلاً.

ولنستحضر أجر تعليمنا له، وثواب صبرنا عليه، وقِصَر الحياة الدنيا.

Advertisements

كيف أكون أبًا مثاليًّا (2) – د.محمد رشيد العويّد

كيف أكون أبًا مثاليًّا (2)
د.محمد رشيد العويّد

قال: ذكرتَ لي أهمية أن أكون قدوة لأبنائي حتى أكون أبًا مثاليًّا، ودَعْوتني إلى أن لاأبخل بعلمي ووقتي ومالي عليهم، وطلبتَ مني أن أقدم أسرتي على كثير من الناس، وأوْصيْتني بأن أعدل بين جميع أبنائي وبناتي، فهل بقي ما أفعله لأكون أبًا مثاليًّا؟
قلت: بقي الكثير.
قال: لو تفضلت ببيانه.
قلت: الأب المثالي لابد أن يكون زوجًا مثاليًّا.
قال: ما علاقة هذا بذاك؟
قلت: علاقة كبيرة.. إذ لايستقيم أن تجود بعلمك ووقتك ومالَك على أولادك وتبخل بها على أمهم، ولا أن تعدل بينهم وتظلم أمهم، وحين أوصيتك بتقديم أسرتك على باقي الناس فزوجتك هي رأس هذه الأسرة.
قال: لهذا أوصى النبي (ﷺ) بالأم ثلاث مرات وأوصى بالأب في المرة الرابعة.
قلت: أحسنت، إذ كيف يطيعك أولادك حين توصيهم بالإحسان إلى أمهم وهم يجدونك تقسو عليها أو تسيئ إليها؟!
قال: صدقت والله.
قلت: ولقد ذكرتَ حديثه (ﷺ) الذي أوصى فيه بالأم ثلاث مرات وأوصى بالأب في المرة الرابعة…
قاطعني بقوله: وما الحكمة في ذلك؟
قلت: لقد تعبت الأم أكثر من الأب، وعانت في حَملها وولادتها وإرضاعها، فاستحقت بذلك أن تُقدَّم عليه ثلاث مرات.قال ابن بطال: مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البِرّ؛ وذلك لصعوبة الحَمل، ثم الوضع، ثم الرَّضاع؛ فهذا تنفرد به الأم وتشقى به، ثم تشارك الأب في التربية، وقال النووي: قال العلماء: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها على طفلها، وشفقتها، وخِدمتها، ومعاناة المشاقّ في حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته وخدمته وتمريضه… وغير ذلك.
قال: أوافقك الآن تمامًا على أن الأب المثالي لابد أن يكون زوجًا مثاليًّا.
قلت: الحمدلله.
قال: وماذا بعدُ مِن أخلاق الأب المثالي؟
قلت: لايضيق إذا رزقه الله بالأناث.
قال: أكثر الآباء يفرحون حين تضع زوجاتهم ذكورًا ويضيقون إذا وضعن إناثًا.
قلت: جميع هؤلاء لن يكونوا آباء مثاليين؛ فالقرآن الكريم ذمّهم في قوله سبحانه: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)﴾. النحل.
قال: إنه والله ذمّ شديد يُحذر كل أب من أن يضيق بالأنثى.
قلت: وفي آية أخرى يُعلِّمنا ربنا أن الذكر والأنثى كلاهما هِبة منه سبحانه: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ (49)﴾. الشورى.
قال: ما دامت الأنثى هبة من الله فإن علينا أن نفرح بها ونشكر ربنا عليها.
قلت: أحسنت.
قال: أذكر أن النبي (ﷺ) بشَّر من يُربِّي البنات ويرعاهن بدخول الجنة.
قلت: نعم؛ يدخل الجنة مع النبي (ﷺ)، قال عليه الصلاة والسلام: (من عال جاريتين حتى تدركا دخلتُ أنا وهو الجنة كهاتين) وضمّ (ﷺ) أصابعه. صحيح مسلم.
قال: أليس هناك حديث آخر يذكر فيه (ﷺ) أن البنات يحجبن أباهن من النار؟
قلت: بلى، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي (ﷺ): (من ابتُلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن؛ كُنّ له سترًا من النار) متفق عليه.
قال: هل بقي من أخلاق الأب المثالي وصِفاته شيء تخبرني به؟
قلت: نعم.
.. في العدد المقبل إن شاء الله نواصل نشر الحوار

كيف أكون أبًا مثاليًا (1) – د.محمد رشيد العويّد

كيف أكون أبًا مثاليًا (1)
د.محمد رشيد العويّد

قال: عندي ثلاث بنات وولدان؛ وأرغب في أن أكون لهم أبًا مثاليًا.

قلت: نيّة طيّبة ورغبة صالحة، أدعو الله أن يُعينك على تحقيقها.

قال: هل لي أن أعرف صفات الأب المثالي لأحرص على التحلي بها؟

قلت: أولها أن تكون قدوة لأبنائك في كل خلق تريدهم أن يتحلوا به، فإذا كنت تريدهم أن يتحلوا بالصدق مثلًا، فإن عليك ألاتكذب أبدًا.. إنهم يراقبونك في كل شيء، وحالك يؤثر فيهم أكثر من كلامك.

قال: جميل. ثم ماذا؟

قلت: ألاتبخل عليهم بعلمك ووقتك ومالك.

قال: هذه ثلاثة أحتاج لها شرحًا منك.

قلت: أبشر.. أما علمك فهو كل مااكتسبته في حياتك من علم وخبرة وتجربة، تنقل إليهم منها ما هم في حاجة إليه في حياتهم.

قال: ووقتي؟

قلت: أعلم أن أكثر الناس هذه الأيام يشتكون ضيق الوقت، وكثرة الأعباء والمشاغل، ولكن يبقى الأبناء أول من يستحقون وقت أبيهم، فلاينشغل عنهم، ولا يُقدم عليهم سواهم من الناس، بل يجالسهم ليؤنسهم، ويوجههم، ويسمع منهم، ويلبي لهم حاجاتهم المختلفة.

قال: يبقى عدم بخلي على أولادي بمالي.

قلت: المال عصب الحياة كما يقولون، والأبناء وأمهم أولى الناس بمالك، ولقد أكد النبي (ﷺ) هذا الأمر في حديثه الشريف الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدّقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك).

قال: أعرف آباء يجعلون أولادهم في ذيل قائمة نفقاتهم، وهم بهذا يخالفون ما أوصى به النبي (ﷺ) في هذا الحديث الشريف.

قلت: والأب المثالي يقدم أسرته على جميع الناس في إنفاقه ماله عليهم.

قال: وماذا أيضًا من صفات الأب المثالي؟

قلت: أن يعدل بين أبنائه.

قال: فيمَ أعدل؟

قلت: في النفقة، والحب، والاهتمام.. في كل شيء.

قال: هل أمر النبي (ﷺ) بهذا العدل؟

قلت: نعم، ففي حديثه الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال النبي (ﷺ): (اعدلوا بين أولادكم في النِّحَل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البِرِّ واللطف). صحيح الجامع.

قال: ما معنى (النِّحَل) الذي وَرَدَ في حديثه (ﷺ)؟

قلت: النَّحْلُ هو العطاء والمنح، والنِّحَل: جمع (نِحْلة) وهي العطية والهدية.

قال: إذن الأمر هنا بالعطاء المادي فقط؟

قلت: لا، بل بالعطاء المعنوي أيضًا، مثل التعبير عن حبك لهم، وتقبيلهم، والعطف عليهم. قال الدميري: لا خلاف في أن التسوية بينهم، أي الأولاد، مطلوبة حتى في التقبيل.

قال: يصْدِف أحيانًا أن يكون أحد أبنائي مريضًا فهل عليّ حرج إذا أوليته مزيدًا من الاهتمام والرعاية؟

قلت: لا حرج عليكَ إن شاء الله، فهذا مُسوّغ شرعي.. يقول الشيخ محمد صالح المُنجد مُعدِّدًا بعض الحالات المستثناة: (كأن تقوم حاجة بأحد الأولاد لم تقُم بالآخرين؛ كمرض، أو دَيْن عليه، أو مكافأة له على حفظه القرآن مثلًا، أو أنه لايجد عملًا، أو صاحب أسرة كبيرة، أو طالب علم متفرغ؛ ونحو ذلك، وعلى الوالد أن ينوي إذا أعطى أحدًا من أولاده لسبب شرعي أنه لو قام بولد آخر مثل حاجة الذي أعطاه أنه سيعطيه كما أعطى الأول.

في العدد المقبل إن شاء الله نواصل الحوار.

 

وقفة : بين الأكل بالملعقة والأكل باليد – د.محمد رشيد العويّد

وقفة : بين الأكل بالملعقة والأكل باليد
د.محمد رشيد العويّد

قال : مازال فيكم من يأكل بيديه؟!

قلتُ : وماذا في هذا؟

قال: نحن في القرن الحادي والعشرين، والناس في العالم كله تقدموا وتحضّروا، وفيكم من يأكل بيديه؟

قلت : وهل ترى الأكل بالملعقة والشوكة دلالة تحضُّر وتقدُّم؟!

قال : أجل !

قلت : كيف ؟

قال : أول شيء: النظافة.

قلت : وهل تطمئن إلى نظافة الملاعق والشُّوَك التي تأكل بها كما تثق بنظافة يدك ؟

قال : كيف ؟

قلت : يدي أنا أغسلها بنفسي فأطمئن إلى نظافتها، بينما غيري يغسِل الملاعق والشُّوَك فكيف أطمئن إلى نظافتها؟!

قال: غاب هذا عني والله.

قلت : هناك فوائد أخرى لتناول الطعام باليد أثبتها العلم الحديث.

قال : مثل ماذا؟

قلت: اللمس من أقوى الحواس؛ وحين يلمس الإنسان الطعام بيده يتم إرسال إشارات إلى الدماغ الذي يرسل بدوره إشارات أقوى إلى المعدة تساعدها على إفراز العصارات الهاضمة ومن ثمّ تحسين عملية الهضم.

قال: بسم الله ماشاء الله، هل هناك فائدة سواها؟

قلت: من فوائد الأكل باليد التحكم في كمية الطعام الذي نتناوله لسرعة إدراكنا حجم مانتناوله منه، إذ تحسّه اليد إحساساً أقوى من إحساسنا به بالملعقة التي يكون الأكل بها آليًّا.

قال: جميل.. جميل.. وماذا أيضاً؟

قلت: لمس الطعام بالأصابع يجعل الإنسان يحسّ بحرارته فلايضعه في فمه وهو حارّ جدًّا فيتجنب بهذا حرق اللسان شديد الحساسية والذي يتضرّر كثيراً بالطعام الحارّ جدّاً، وهذا ما يحدث كثيراً لمن يتناول طعامه بالملعقة فيحرق لسانه ويقتل كثيراً من حلمات التذوّق.

قال: فعلاً هذا ما يحدث، ولقد حرقت لساني مِراراً قبل ذلك بتناولي طعاماً ساخناً جداً.

قلت: وأختم بأمر هو أن الاستمتاع بطِيب الطعام وتذوّقه يقل حين تدخل الملعقة الفم ويلامس معدنها اللسان.

قال: صدقت، والله هذا ما أحس به حين آكل المحشي بيدي وحين أقطعه قطعاً أضعها في فمي بالملعقة.

قلت: الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات.

لن تستقيم لك فاصبر – د.محمد رشيد العويّد

لن تستقيم لك فاصبر
د.محمد رشيد العويّد

في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه يُنَبِّه النبي (ﷺ) كل رجل إلى طبيعة في المرأة؛ هي أنها لاتثبت على أسلوب في تعاملها معه؛ يستطيع به أن يثبت على طريقة واحدة دون غيرها في معاملته لها.
يقول (ﷺ) للرجل: (لن تستقيم لك على طريقة)، أي اعلم أيها الزوج أنه ليس هناك طريقة واحدة بعينها تسلُكها في تعاملك مع زوجتك لتكون لك كما تتمنى وتشتهي؛ فأعدّ نفسك لتغييرات عدّة، بقدر تغيُّر أحوالها وسني عمرها، فهي في أيام حيضها غيرها في أيام طهرها، وهي في الثلاثين غيرها في الأربعين أو الخمسين أو الستين من عمرها.
ففي دراسة علمية تبين أن الحال التي تريد المرأة أن يكون زوجها عليها تختلف من عُمر إلى عُمر، ففي العشرين تُفَضِّل المرأة أن يكون زوجها وسيماً جذّاباً، طموحاً، أنيقاً رومانسيّاً.
وفي عُمْر الثلاثين تُفَضّله مازال مهتمّاً بها، حريصاً عليها، يفتح لها باب السيّارة ، ويدعوها إلى العشاء خارج المنزل، ويُنصِت إليها أكثر ممّا يتكلم، ويمتدح طعامها ويضحك من فكاهاتها.
أما في الأربعين فإن توقعاتها من زوجها تصبح أقل رومانسية؛ فهي تريده أن يعمل أكثر خارج المنزل، ولايهمل نظافته، ويُقَلِّل من الفوضى التي يعيش فيها.
وفي الخمسين تُفضّل أن لايكرر زوجها فكاهاته مرات عدّة، وأن يمتثل لأوامر الطبيب، وأن لاينام أمام التليفزيون، وأن تكون ألوان ثيابه متناسقة، وأن لايُكثِر من طرح الأسئلة.
وعندما تبلغ المرأة الستين من عمرها فإنها تريد من زوجها أن يتوقَّف عن الشكوى والتذَمُّر، وعن طرح كثير من الأسئلة، وأن يتناول دواءه بنفسه دون استعانة بها.
أما إذا بلغت السبعين فإنها تكتفي من زوجها بأنه مازال يتنفّس.!
نتائج هذه الدراسة التي قام بها علماء النفس في جامعة ماساتشوستس الأميريكية، تُظهر جانباً من جوانب إعجاز حديثه (ﷺ) في وصف طبيعة المرأة المتغيّرة التي لاتثبت على حال: (لن تستقيم لك على طريقة)، ونص الحديث كاملاً كماأخرجه مسلم في صحيحه : عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله (ﷺ): (إن المرأة خُلِقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عِوَج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها). صحيح مسلم.
يقول النووي رحمه الله: وفي هذا الحديث ملاطفة النساء والإحسان إليهن والصبر على عِوَج أخلاقهن واحتمال ضعف عقولهن ، وكراهة طلاقهن بلا سبب وأنه لا يطمع باستقامتها.