كيف أعالج إهمالها – د. محمد رشيد العويد

كيف أعالج إهمالها

د. محمد رشيد العويد

جاءني يستشيرني في نزاعاته الكثيرة مع زوجته التي يتهمها بالإهمال والفوضى واللامبالاة

قلت له: كيف حاولت أن تعالج ماتشتكيه فيها من إهمال ؟

قال: بالتنبيه والزجر والتقريع

قلت: وهل استجابت لك؟

قال: للأسف لا،لم تستجب لي، بل زاد إهمالها

قلت: ألم يجعلك هذا تبحث عن أسلوب آخر لصرفها عن إهمالها؟

قال: لهذا جئت إليك لترشدني إلى الأسلوب الذي يجعلها تهتم بي وببيتها

قلت: بارك الله فيك، وليت الأزواج جميعًا مثلك يستشيرون

قال: ماذا أفعل لأصرفها عن إهمالها؟

قلت: لابد أولًا من الاستعانة بالله

قال: كيف أستعين به سبحانه؟

قلت: بالدعاء؛ تتوجه به إلى الله أن يُصلح لك زوجتك

قال: الله يصلح لي زوجتي؟!

قلت: أمَا قرأتَ قوله سبحانه “وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَه”

قال: هذه الآية نزلت في زوجة زكريا عليه السلام، وكانت عقيمًا فأصلحها الله بأن جعلها ولودًا.

قلت: نعم، وقال بعض المفسرين: كانت سيئة الخُلُق فأصلحها الله له بأن رزقها حُسن الخُلُق، لأن كل ذلك من معاني إصلاحه تعالى إياها، ولم يُخصِّص الله جل ثناؤه بذلك بعضًا دون بعض في كتابه، ولا على لسان رسوله، ولا وَضَع على خصوص ذلك دلالة، فهو على العموم ما لم يأتِ ما يجب التسليم له بأن ذلك مُرادٌ به بعضٌ دون بعض.

قال: سأدعو الله أن يُصلح لي زوجتي ويُبعد عنها إهمالها ولامبالاتها.. وماذا عليّ أن أفعل أيضًا؟

قلت: تتجنب أسلوب الزجر والتقريع.

قال: كيف أنهاها إذن؟

قلت: بالموعظة الحسنة.

قال: وكيف تكون الموعظة الحسنة؟

قلت: تكون بالرفق واللين.

قال: ماذا أقول مثلًا؟

قلت: حين تجد الفوضى قل لها: هل تسمحين لي بمساعدتك في إعادة هذه الأشياء إلى أماكنها؟ وبادر فورًا بالقيام بذلك.

قال: هل ينفع هذا معها؟

قلت: نعم، ستقوم هي فورًا بإزالة الفوضى وترتيب الأشياء وإعادتها إلى أماكنها، وعلى الأرجح فإنها ستطلب منك أن تستريح لتقوم هي وحدها بذلك

قال: هل سيجعلها هذا تتخلى عن إهمالها؟

قلت: نعم إن شاء الله، ولابأس من أن تكرر أنت هذه المبادرة إن وجدتَها عادت إلى إهمالها، وبعون الله لن تحتاج إلى تكرار ذلك سوى مرة أو مرتين.

قال: وهل هناك ما يمكن أن أفعله أيضًا غير ذلك؟

قلت: تتغافل بعض الأحيان عمّا تراه من تقصير أو إهمال

قال: ولكن هذا التغافل قد يجعلها تتمادى في إهمالها

قلت: لذلك قلتُ (بعض الأحيان) وليس دائمًا، لأن التدقيق المستمر والمتابعة المتواصلة يُرهقان الزوجة ومن ثم تعاند ولاتستجيب لنصح زوجها

قال: ألا يُظهرني هذا التغافل ضعيفًا أمامها؟

قلت: لا، بل يُظهرك كريمًا.. سمحاً.. مُقدِّرًا، قال الشاعر:

تغافل في الأمور ولا تُكثِرْ

تقصِّيها فالاستقصاء فُرقة

وسامح في حقوقكَ بعضَ شيءٍ

فما استوفى كريمٌ قطُّ حقَّه

وقال سفيان الثوري: مازال التغافل من فعل الكرام

وقال الحسن البصْري: مااستقصى كريمٌ قطّ

قال: التغافل كرم إذن وليس غباءً أو ضعفًا

قلت: أجل، لأن التغافل هو: قصد الغفلة وليس غفلة وخاصة حين تُدرك زوجتك أنك رأيت تقصيرها ولاحظت إهمالها، لكنك تجاوزت عنه ولم تُحاسبها عليه.

قال: هذا حَسَن جميل.

قلت: أحسن الله إليك وجَمَّل الله حالك

قال: هل من وصية أخيرة؟

قلت: هذا كله يشمله أمره تعالى للرجال بمعاشرة نسائهم بالمعروف: “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”.

قال: صدق الله العظيم.

Advertisements

لا تسمحي لها بالتفريق بينكما! – د. محمد رشيد العويد

لا تسمحي لها بالتفريق بينكما !

د. محمد رشيد العويد

من أسباب نزاع الزوجين ؛ فقدان أحدهما ، أو كليهما ، الرضا والقناعة ، فتجدهما متسخطين على عيشهما ، غير راضيين بما رزقهما الله تعالى ، يقارنان حالهما بحال غيرهم ممن يعيشون في بذخ، وينفقون بلا حساب .

تخاطب لورا دويل ، مؤلفة كتاب (( الزوجة المستسلمة )) ، تخاطب المرأة بقولها : إذا كان هناك سقف فوق رأسك ، ووقـود في سيارتك ، وطعام في ثلاجتك ، وملابس في خزانتك ، ونقود في حقيبتك ؛ فإن عليك أن تطمئني ، فلا تصابي بالذعر .

ولقد أغنانا صلى الله عليه وسلم بتوجيهه ونصحه وإرشاده وتعليمه عن كلام الناس جميعاً حين قال صلى الله عليه وسلم ( من أصبح منكم آمناً في سربه ، معافى في بدنه ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) البخاري في الأدب المفرد .

هكذا يوجهنا صلى الله عليه وسلم إلى الرضا ، ويربينا على القناعة ، فماذا نفعل بالمال الزائد عن حاجتنا إذا كان سيلهينا ( ما قلَّ وكفى خير مما كثر وألهى ) صحيح الجامع .

وما أكثر النزاعات الزوجية بسبب المال ، والتنافس عليه ، والسعي لتحصيله ولو عن طريق الحرام ، كالاختلاس ، والسرقة ، والغش ، والنصب .

كم من زوج أقدم على تحصيل مال عن طريقٍ من هذه الطرق المحرمة فخسر حريته حين حُكم عليه بالسجن ، أو فقد ماله كله حين خالطه الحرام فمحقه بالربا ، أو بغيره من المحرمات .

ثم ينبغي لمن يقارن عيشه بعيش الأثرياء أن ينظر إلى جوانب أخرى في حياتهم ؛ فسيجد أنهم فقدوا أشياء كثيرة لم يفقدها هؤلاء الراضون القانعون ؛ مثل الصحة ، والسعادة ، والاستقرار ، والطمأنينة ، والسلامة ، وغيرها كثير .

ثم إن قلة المال تخفف من شدة الحساب يوم القيامة ، كما قال صلى الله عليه وسلم ( لا تزول قدما عبد حتى يُسأل عن أربع ) منها ( عن ماله من أين اكتسبه ؟ وفيم أنفقه ؟ ) صحيح الجامع .

وقال صلى الله عليه وسلم (إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة ؛ إلا مـن قال بالمال هكذا وهكذا ) متفق عليه

وأحاديثه صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الرضا والزهد كثيرة ، أكدها صلى الله عليه وسلم بعيشه الذي خلا من الترف والتنعم حتى إنه ( لم يشبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين ) صحيح مسلم ، وكان فراشه الحصير الذي يؤثر في جنبه .

فلنتقِِ الله أيها الأزواج والزوجات ، ولنحذر من جعل الدنيا والسعي إليها سبباً في نزاعاتنا .

هل يغضب زوجك إذا كسرتِ شيئاً؟ – د. محمد رشيد العويد

هل يغضب زوجك إذا كسرتِ شيئاً ؟

د. محمد رشيد العويد

نحن – معاشر الرجال – كثيرو اللوم ، وأكثر من نلومهم زوجاتنا ، يقول أحدنا لزوجته : لماذا فعلتِ كذا ؟ لو عملتِ بما قلت لكِ ما حدث ما حدث ! ما أكثر ما تكسرين وتخرّبين !

ولنقف عند الأخيرة ؛ أعني لومنا زوجاتنا على كسرهن أواني المطبخ ، أو اللوحات الثمينة ، أو الأجهزة الكهربائية ، أو غير هذه وتلك مما في البيت .

هناك من الزوجات من يتملكها الخوف ، من غضب زوجها الشديد ، إذا علم بكسرها إناءً أو إعطابها جهازاً ، فتجدها تخفي ما انكسر حتى لا يراه ؛ مؤجلة بهذا غضبه وقتاً من الزمان ، علّ ساعة يكون فيها منشرح الصدر ، رائق البال ، فتخبره بما كان .

ومن الزوجات من تسعى إلى شراء آنية أخرى مشابهة للآنية المكسورة ؛ لتستعملها بـدلا منها ، فلا يكتشف زوجها ما انكسر ، وتتفادى بهذا غضبه ونقمته .

وقد لا تكون هي التي كسرت ما انكسر ، أو أعطبت ما انعطب ، إنما واحد من أولادها ، فتلجأ أيضاً إلى تأجيل معرفة زوجها ما أمكن ، أو تشتري بديلاً لما انعطب أو انكسر ، أو تتولى هي الدفاع عن أولادها ، وتبرير الإهمال الذي أدى إلى ما أدى ، أو تنسبه إلى نفسها ، متحملة غضب زوجها ، حمايةً لأولادها .

هل عالج الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الذي يكون من الأزواج حين يعلمون بما انكسر أو انعطب ؟

قال عليه الصلاة والسلام ، (( لا تضربـوا إماءكم على كسر إنائكم ، فإن لها آجالاً كآجال الناس )) رواه أبو نعيم والطبراني .

ما أجمل هذا وما أحسنه !

إذا كنّا قد نُهينا عن لطم الخدود ، وشق الجيوب ، والصراخ والعويل ، حين نفقد عزيـزاً علينا ، لأن أجله لا يتقدم ساعة ولا يتأخر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يُعلّمنا في هذا الحديث أن للآنية آجالاً أيضاً كآجال الناس ، ومن ثم فليس لنا أن نضرب أو نلوم أو نغضب .

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن ضرب الإماء ( الخدم ) فالزوجات والأبناء أقرب وأولى في النهي عن ضربهم أو لومهم أو توبيخهم .

فلنحرص – معاشر الرجال – على الحلم في تلقي أخبار كسر الآنية وخراب الأجهزة ، متذكرين أن لها آجالاً كآجال الناس .

ولنتأمل في ما يحمله هذا الحديث النبوي من رفق بالزوجات والأبناء والخدم ، ومن تخفيف عنهم ، وتلطف بهم .

أختي الحامل : رجاء لا تتوتري – د. محمد رشيد العويد

أختي الحامل : رجاء لا تتوتري
د. محمد رشيد العويد
يفرح الرجل حين تخبره زوجته بأنها حامل فيدعوها لترتاح ، ويبدأ في إعانتها ببعض أعمال البيت ، ويحرص على عدم الدخول في مجادلات عقيمة معها حتى لا تتوتر فينعكس التوتر على الجنين الذي تحمله .
هل يحدث ما سبق حقاً ؟ هل يفعل كل رجل ما افترضناه في السطور السابقة ؟ أيا كان الجواب فإن هذا ما ينبغي أن يفعله الزوج . أما ما ينبغي أن تفعله الزوجة فهو أن تريح نفسها ، وتبتعد عما يوترها ، وتحرص على الحلم ، ذلك أن هذا كله مهم ومفيد لجنينها .
فقد كشفت دراسة أميركية حديثة أن قلق النساء وتوترهن في أثناء الحمل قد يؤديان إلى إنجابهن أطفالاً أكثر عرضة للإصابة بالحساسية في الصدر ، وقد يؤثر سلباً في جهاز المناعة لدى الأجنة .
وقام الباحثون في الدراسة بقياس مستويات الأجسام المناعية ( إيموفوجلوبين ) في الدم فوجدوا أن الأطفال الذين عانت أمهاتهم من التوتر في أثناء الحمل وتعرضن لنسب ضئيلة من ذرات الغبار كانت لديهن مستويات مرتفعة منها في دماء الحبل السري ، وهو ما يشير إلى أن التوتر يزيد استجابة جهاز المناعة للغبار .
وخلصت الدراسة التي عرضت في اجتماع لجمعية أطباء الصدر في تورنتو بكندا إلى أن الأمهات اللائي عانين من توترات شديدة في أثناء الحمل كن الأكثر عرضة لإنجاب أطفال لديهم مستويات مرتفعة من الإيموفوجلبين مع ضعف في جهاز المناعة وأكثر عرضة للحساسية والربو .
وقالت روز اليند راين من كلية طب هارفارد في بوسطن والقائمة على الدراسة : إنها تؤكد وجود صلة بين التوتر الناتج عن مشكلات مالية مثلاً أو مسائل مرتبطة بالعلاقات مع الآخرين .. وبين تغيرات تطرأ على جهاز المناعة لدى المواليد حتى قبل مولدهم .. ثم يستمر معهم طويلاً .
واسمحوا لي بعد عرض موجز تلك الدراسة المهمة أن أوجه نصيحتين ، إحداهما للزوج والأخرى للزوجة .
نصيحتي للزوج احرص على توفير سبل الراحة الجسدية والنفسية لزوجتك خلال حملها ، إن لم يكن من أجلها فمن أجل طفلك الذي تنتظر قدومه إلى هذه الدنيا بشوق .
خفف من طلباتك ، وترفق بزوجتك ، وتجاوز عن كثير من أخطائها ، واغفر لها بعض تقصيرها نحوك ، وابتعد عما يثير الشقاق بينكما .
استعن على تحقيق هذا كله بالله سبحانه ، ثم باستحضار ما جاء في تلك الدراسة المهمة وأنت تخاطب نفسك : إن لم يكن من أجلها فمن أجل الطفل الذي تحمله في بطنها .
نصيحتي للزوجة
حاولي أن تبتعدي عن كثير من مثيرات الغضب طوال حملك ، ووافقي زوجك على كثير مما يقوله تجنباً للجدال المفضي للشجار والنزاع .
وإذا كنت تعملين خارج بيتك فأنصحك بالحصول على إجازة منه لتمضي شهور حملك داخل بيتك بعيداً عن أعباء العمل وما يرافقه من توتر وتعب ومشقة .
وفقك الله تعالى إلى تحقيق السلام طوال حملك ، بل طوال حياتك .

افعلي كما فعلت خديجة – د.محمد رشيد العويّد

افعلي كما فعلت خديجة

د.محمد رشيد العويّد

قالت: رغم أنني سعيدة في حياتي مع زوجي فإني لاأشعر معه بالأمان التام!

قلت: هل يُقصِّر في أداء ما لكُم عليه من حقوق؟

قالت: أبداً.

قلت: هل يصدُر منه عنف بدني أو لفظي تجاهكم؟

قالت: أبداً أبداً، هو في غاية الرِّفق واللُّطف!

قلت: إذن ماالذي يُنقِص إحساسك بالأمان في حياتك معه؟

قالت: أخشى عليه من النساء الأخريات!

ابتسمت وقلت: أليس متديّناً؟

قالت: بلى، ولكن تديُّنه يمنعه من الاتصال بالنساء عن طريق الحرام، وأنا أخشى عليه من الحلال!

ابتسمتُ وقلت: تخشين عليه أن يتزوّج؟!

قالت: أجل!

قلت: وتريدين أن تمنعيه من أن يتزوّج سواكِ؟

قالت: بصراحة.. نعم!

قلت: وهل اهتديتِ إلى وسيلة تمنعينه بها من ذلك؟

قالت: خطرت في بالي وسائل كثيرة.. لكني لم أرتح إلى أي منها.

قلت: مثل ماذا؟

قالت: أن أخبره أنني لن أواصل عيشي معه إذا تزوّج.

قلت: ولم ترتاحي إلى هذه لأنكِ تحبينه ويصعُب عليكِ أن تتركيه لامرأة أخرى.

قالت: صدقت.

قلت: وماذا خطر في بالك أيضاً؟

قالت: أن أحول بينه وبين ادخار المال، حتى لايجتمع عنده مِنْه مايجعله قادراً على الزواج.

قلت: وماالذي صَرَفكِ عن ذلك؟

قالت: وجدتها فكرة حمقاء مع صعوبة تنفيذها.

قلت: وتريدينني الآن أن أُرشدك إلى وسيلة حكيمة تمنعينه بها من الزواج دون أن تفقديه ودون أن تخسري محبته.

قالت: أجل، أجل هذا ماأتمنى أن ترشدني إليه

قلت: باختصار أقول لكِ: افعلي مثلما فَعَلتْ السيدة خديجة….

قالت: من السيدة خديجة؟ زوجة النبي؟

قلت: نعم، زوجة النبي (ﷺ).

قالت: وهل منعَتْه (ﷺ) من الزواج عليها؟

قلت: لايمكن أن تمنعه من فعل شيء حلال، كماأنها رضي الله عنها لم تكن تمنعه من أي شيء يحبه (ﷺ).

قالت: إذن كيف أفعل مثلها لأمنع زوجي من الزواج من امرأة أخرى؟

قلت: اسمحي لي قبل أن أُجيبك عن سؤالِك أن أذكُر أن النبي (ﷺ) عاش مع السيّدة خديجة خمساً وعشرين سنة، وهي سن شبابه (ﷺ) وما بعد شبابه، فقد تزوجها رضي الله عنها وهو في الخامسة والعشرين، وعاشت معه حتى تُوفيت رحمها الله وهو في الخمسين من عمره (ﷺ)، ولم يتزوّج معها غيرها رغم أن التعدّد كان عادة في العرب وقتها، وبغير قَيْد ولا شرط.

قالت: سبحان الله، لم يتزوّج (ﷺ) سواها رغم أنها تكبره بخمس عشرة سنة.

قلت: أحسنتِ بملاحظتك هذه التي تؤكّد لنا أنها رضي الله عنها لم تُغنِ النبي (ﷺ) عن الزواج بِصِغَر سنِّها وشبابها؛ إنما أغنته بما وفّرته له من راحة وطمأنينة وسكينة في نفسه وقلبه وحياته.

قالت: ألهذا بُشِّرتْ ببيت في الجنة من قصب لاصَخَب فيه ولانَصَب؟

قلت: بارك الله فيك، كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى جبريل النبي (ﷺ) فقال: (يا رسولَ الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام، أو طعام، أو شراب، فإذا هي أتتْك فاقرأ عليها السلام من ربها، ومنِّي، وبشِّرْها ببيت في الجنة مِن قصب، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب).

قالت: بيت من قصَب.. هل هو القَصَب الذي نعرفه؟

قلت: لا، إنما هو اللؤلؤ المجوّف. ولقد ذَكَر العلماء أن نَفْي الصَخَب والنَصَب عن البيت الذي بُشِّرت به في الجنة إنما كان لأنها رضي الله عنها أجابت النبي (ﷺ) فكانت أول من آمن به طَوْعاً؛ فلم تحوِجه إلى رفع صوت ولا مُنازعة ولا تعب، بل أزالت عنه كل تعب، وآنَسَتْه من كل وحْشَة، وهوَّنت عليه كل عسير، فناسَب أن يكون منزلها الذي بشّرها ربها به بالصفة المقابلة لفِعْلِها.

قالت: كأنك تريد أن تقول لي: إذا أردتِ أن تمنعي زوجكِ من الزواج فأزيلي عنه كل تعب، وآنسيه من كل وَحْشَة، وهوِّني عليه كل صعب، واملأي قلبه وحياته بحُبّك، وبيته بالسكينة والسلام، فلايفتقد شيئاً يضطر لالتماسه عند سواكِ.

قلت: جميل جداً، هذا هو ماأردتُ أن أقوله لكِ.

قالت: ألا نفهم من هذا أن التعدّد ليس سُنّة؛ إنّما الزواج هو السُنّة؛ فأحسب أن النبي (ﷺ) لم يكن ليتزوّج على السيدة خديجة لو عاشَت معه بقية عمره (ﷺ).

قلت: بلى، وهو ماذَكَره بعض العلماء من أن السُنّة تتحقق بالزواج بواحدة، والتعدّد إنما هو مباح وليس بِسُنّة.

قالت: لقد حفظ النبي (ﷺ) قلب زوجته السيدة خديجة من الغيرة، وصانها من نكد الضرائر.

قلت: هذا ما ذَكَره ابن حجر رحمه الله فقد قال: أغْنَتْهُ عن غيرها، واختصّت به بقَدْر ما اشترك فيه غيرها مرتين؛ لأنه (ﷺ) عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاماً، انفرَدَت خديجة منها بخمسة وعشرين عاماً، وهي نحو الثُلُثين من المجموع، فصَانَ قلبها، مع طول المدّة، من الغَيْرة ومن نكد الضرائر(فتح الباري مجلّد7 ص140).

قالت: شكراً جزيلاً لك.