كيف تخالفين زوجك – د.محمد رشيد العويّد

كيف تخالفين زوجك
د.محمد رشيد العويّد

عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: (لايدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحدٌ من الذي بايعوا تحتها)، قالت: بلى يا رسول الله! فانتهرها النبي ﷺ، فقالت: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا… ﴾، فقال النبي ﷺ: (قد قال تعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾). مريم 72. صحيح مسلم.

هذا الحوار القصير بين النبي ﷺ وزوجته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها فيه إضاءات للزوجين المتحاورين، من هذه الإضاءات:

ضرورة حِلم الرجل على زوجته حين تعارضه في بعض أقواله وتُخالفه فيها وإن كان على حق في ما قال، فتلك المخالفة تكاد تكون عامة في النساء إلا قليلا منهن.

لقد وجدنا أم المؤمنين حفصة تعترض على بشارة النبي ﷺ بعدم دخول النار لمن بايعه تحت الشجرة من الصحابة رضي الله عنهم جميعا، وإن كان النووي في شرحه صحيح مسلم لايرى في اعتراض حفصة مخالفة له ﷺ بل يرى فيه استرشادا للحق، والصواب فقال: فيه دليل للمناظرة والاعتراض والجواب على وجه الاسترشاد، وهو مقصود حفصة، لا أنها ردَّت مقالته ﷺ.

على أي حال فإن النووي رحمه الله أكد أن في كلام حفصة رضي الله عنها مناظرة واعتراضًا، لكن النية فيه هي الاسترشاد، وهذا ما أرجو من كل زوجة تريد معارضة زوجها في رأي أو أمر، أن تحرص على إبعاد نبرات التحدي والفوقيّة والاتهام من عباراتها التي تخالف بها زوجها، وأن تحرص على صياغتها بصيغة استرشادية، فهذا يجعل وقعها ألطف على سمع زوجها وعقله.

هذه المناظرة _كما سماها النووي رحمه الله_ بين النبي ﷺ وزوجه حفصة لم تكن من كلامهما، بل كانت بالقرآن الكريم، إذ قالت حفصة بعد أن انتهرها النبي ﷺ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا… ﴾، فردّ عليها النبي ﷺ بالقرآن الكريم أيضًا فذكر الآية التي تليها: (قد قال تعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾)،

وفي هذا توجيه للأزواج، بل لغيرهم أيضًا، أن يكون مرجعهم دائمًا كتاب الله تعالى وسنة نبيِّه ﷺ.

واضح أن الآية الكريمة تشير إلى أن كل إنسان سَيَرِدُ جهنم، لكن الورود غير الدخول، ومن ثَمَّ فإن الآية لاتُخالف حديثه ﷺ بأن من بايع تحت الشجرة لن يدخل النار، يقول النووي: والصحيح أن المراد بالورود في الآية: المرور على الصراط، وهو جسر منصوب على جهنم، فيقع فيها أهلها وينجو الآخرون.

ولقد جاء في التفسير: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا… ﴾ أي: ما مِنَ الناس أحد إلا سوف يَرِد إلى النار، والورود هو المرور على الصراط ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: اتقوا ما يوجِب النار وهو الكفر بالله ومعاصيه، فالذين يتقون الله ينجيهم الله من الوقوع في النار، فيمرُّون على الصراط بإيمانهم وأعمالهم، ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ يبقون فيها جاثين على رُكَبهم لايستطيعون الخروج.

أما قوله ﷺ: (إن شاء الله) بعد قوله: (لايدخل النار) ليس للشك، بل لردّ المشيئة في كل شيء إليه سبحانه، وعملًا بأمره سبحانه في ذلك.

قال النووي: قال العلماء معناه لايدخلها أحد منهم قطعًا كما صرّح به في الحديث الذي قبله حديث حاطب (وفيه أن حاطبًا لايدخل النار لأنه شهد بدرًا والحُديبية)، وإنما قال: إن شاء الله للتبرك، لاللشكّ.

وبعدُ فإني أوصي الزوجة، استرشادًا بالحديث، بما يلي:

– احرصي على أن تكون مخالفتك لزوجك في رأيه أو قوله في صيغة الاستفهام، كأن تقولي له: ألا يُخالف هذا ما جاء في القرآن؟ أو ما جاء في السنة؟ وتذكرين له الآية أو الحديث، وهذا أرفق وألطف من قولك له: ولكن رأيك هذا خطأ وكلامك غلط لأن الله تعالى يقول ( وتذكرين الآية ).

– ابدئي اعتراضك بالثناء على عقل زوجك وسداد رأيه عامة، أو ما في رأيه الذي أبداه من إيجابيات ثم انتقلي بلطف إلى ما تعتقدين أنه مخالف للصواب.

– يمكن أيضا أن تبدئي اعتراضك بقولك : لعلك تريد أن تقول كذا، أو: لاأدري إذا كنتُ قد فهمتُ ما تريده تمامًا من كلامك… وهكذا.

وفقك الله إلى موافقة زوجك، وقلة مخالفته، تجنُّبًا لشجارات كثيرة قد تُفضي إلى نزاعات خطيرة.

الإعلانات

أيها الزوجان لاتخسرا رمضان (1) – د.محمد رشيد العويّد

أيها الزوجان لاتخسرا رمضان (1)
د.محمد رشيد العويّد

إذا كانت المشاعر السلبية تثور في النفس، وتدفع كُلًّا من الزوجين إلى مقاومة الآخر؛ فإن شهر رمضان فرصة ذهبية لجعلهما متصافيَيْن، متوادَيْن، متراحميْن.

ففي رمضان يسعى المسلم إلى كسب الأجر بكل ما يؤدّيه من عبادات وطاعات لله، في مقدمتها الصيام الذي بشرنا النبي ﷺ بأنه يُذهب ما يُصيب القلب من غيظ وحقد ووساوس، فعن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس والنَّمر بن تولب رضي الله عنهم جميعًا أن النبي ﷺ قال: (صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، يُذهبن وَحَرَ الصدر) صحيح الجامع.

و (وَحَر الصدر) كما جاء في شرح الحديث هو: مايُصيب قلب الإنسان من غيظ وكَدَر، فالغيظ هو بداية ضيق أحد الزوجين بصاحبه وبغضه له، والكدر هو حُزنه منه وإحباطه تجاهه.

وقال السيوطي: (وَحَر الصدر) غشه ووساوسه، وقيل: الحقد والغيظ، وقيل: العداوة، وقيل: أشد الغضب.

وهذه جميعها أحاسيس ومشاعر سلبيّة يمكنها أن تُوقِع البغضاء بين الزوجين ثم الهجران والقطيعة.

إن ما يحسُن بالزوجين، بعد أن يتَلقّيا هذه البشارة من النبي ﷺ، أن يعيشاها، ويحققاها، فيمنعا أي إحساس سلبي _من غضب وبغض وعداوة_ أن يُنغّص عليهما روحانيات الصيام، وهما يذكران أن أجر الصوم لله وهو سبحانه يجزي به، كما جاء في الحديث؛ قال ﷺ: (كل عمل ابن آدم يضاعف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله عزّ وجلّ: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي) صحيح مسلم.

فحتى يزيد ثوابكما من صيامكما، عليكما أن تضاعفا صبركما؛ صبر كل منكما على الآخر، على ضيقه منه، وغضبه عليه، وإيذائه له، حتى يحسُن صيامه، ويضاعف له سبحانه أجره أضعافًا مضاعفة، فالصوم لله وهو سبحانه يجزي به كما جاء في الحديث، فلماذا تُضيعان هذا الثواب العظيم في رمضان هذا العام، ومن يدري فقد لانُدرك رمضان في العام المقبل!

ولو تأملنا لفظ (وَحَر) الذي جاء في الحديث النبوي لأحسسنا بمعانيه السلبية، فالحاء والراء (حر) يُشعراننا بحرارة الصدر، وعدم برودته وصفائه، وكأن نارًا تشتعل فيه فتؤذيه وتؤذي صاحبه.

أمر آخر يجب أن يستحضره الزوجان وهما يتركان الشراب والطعام ولايتركان النزاع والخصام؛ هذا الأمر هو أن الله سبحانه ليس في حاجة إلى أن يدعا طعامهما وشرابهما دون أن يدَعَا تبادلهما الكلمات القاسية والألفاظ القبيحة.

قال النبي ﷺ: (من لم يدَع قول الزُور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) صحيح البخاري.

وقال عليه الصلاة والسلام: (رُبّ قائم حظه من قيامه: السهر، ورُبّ صائم حظه من صيامه: الجوع والعطش) صحيح الجامع.

وقال جابر بن عبدالله الأنصاري: إذا صُمت فليَصُم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، والمأثم، وَدَع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولاتجعل يوم فِطرك ويوم صومك سواء.

وقال ميمون بن مهران: إن أهون الصوم تركُ الطعام والشراب.

وعليه فإني أقترح عليكما أيها الزوجان الغاليان أن تتوقفا خلال أيام رمضان عما يلي:

– الكلام المؤذي القاسي النابي، فلايصدر منكما تجريح أو سخرية أو شتم.

– الغضب الذي يفقد فيه الإنسان سيطرته على نفسه.

– الصوت العالي مِن صراخ وزعيق.

– عبوس الوجه، وتقطيب الجَبين.

وفقكما الله أيها الزوجان الغاليان إلى النجاح في الامتحان.. امتحان رمضان

نزاع مالي بين زوجين – د.محمد رشيد العويّد

نزاع مالي بين زوجين
د.محمد رشيد العويّد

جلس الزوجان أمام الاستشاري يعرضان عليه نزاعاتهما حول إنفاقهما على أسرتهما، فالزوجة تعرض حقها على زوجها بأن يُنفق عليها مهما كانت تملك من مال، وتؤيّد حقها هذا بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي عليه الصلاة والتسليم، والزوج يرد بأنه لايُنكر شيئًا من هذا، لكن ما يُنكره هو أن زوجته تعمل في وظيفة مرتبها فيها يفوق مرتبه، وأنها لاتُسهم بأي قدر منه في الإنفاق على البيت رغم أن هذا كان شرطه عليها حين أَذِن لها بالعمل.

قال لهما الاستشاري: لستُ من أهل الفتوى لأفتيكما بما يُحدِّد من منكما على حق، لكني أُريد أن أسألكما: هل أحضرتم الأولاد الذين معكما في البيت من الملجأ؟!

نظر الزوجان مستنكرين سؤال الاستشاري، ثم قالت الزوجة: ماذا تقول يا دكتور؟! هؤلاء أولادنا، حملتُ كل واحد منهم تسعة أشهر في بطني ثم أرضعته وربّيته وعلّمته.

التفت الاستشاري إلى الزوج يسأله: هل توافق على كلام زوجتك وتؤيده؟

قال الزوج: طبعًا يا دكتور، هؤلاء أولادنا ولم نحضرهم من ملجأ، ولا مِن أي مكان آخر، وهم فلذات كبدي، وأنا لاأبخل عليهم بشيء.

قال الاستشاري: هذا جميل.. وما دمتما متفقين على ذلك، وما دمتما تحبان أولادكما هذا الحب العظيم، فما كان ينبغي أن تختلفا في الإنفاق عليهم، بل كان عليكما أن تتنافسا فيه؛ لأن ما يُنفقه كل منكما على أسرته خير له من أي إنفاق آخر، كما يخبرنا النبي (ﷺ) في حديثه الشريف الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار أنفقته على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجرًا الدينار الذي أنفقته على أهلك) صحيح مسلم.

قال الزوج: إنما أريد أن أدّخر لهم.

قال الاستشاري: خير ادّخار لهم هو تعليمهم، وتربيتهم، وإصلاحهم، فهذا الذي يبقى، أما المال فقد يذهب ولايبقى، بل حتى صلاحك أنت خير لهم، وبه يحفظ الله لهم أموالهم؛ كما تعلمنا من سورة الكهف: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.

قالت الزوجة: لم ينفع الأب ادخاره لأولاده بل الذي نفعه صلاحه ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ﴾.

قال الزوج: كذلك لم تنفعه إرادته في وصول الكنز إليهما لأن مَنْ أوصله لهما إنما هو الله سبحانه: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.

قال الاستشاري: أحسنتما، بارك الله فيكما، ولعلكما لاحظتما قوله تعالى ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾؛ فرحمة والديهما لم تنفعهما في إيصال الكنز إليهما؛ بل نفعتهما رحمة الله الذي هو أرحم بهما من والديهما.

قال الزوج: أقرأ سورة الكهف كل يوم جمعة، ولم أكن أُدرك ما تُرشد إليه هذه الآية الكريمة كما أدركته اليوم.

قالت الزوجة: بعدما سمعتُ منك ما سمعتُ يا دكتور؛ أشهدك أنني سأُسهم بنصف مرتبي في الإنفاق على أولادي، وأُساعد زوجي في الإنفاق عليهم.

قال الزوج: وأنا أعدُكِ أن لاآخذ من مُرتَّبكِ إلا ما يكفيني.

قال الاستشاري: الحمد لله الذي هداكما لهذا ووفقكما إليه، وأحب أن أبشركما بأن صلاحكما لايحفظ الله به المال لأولادكما فحسب، بل أكثر من ذلك كما جاء في تفسير الآية.

قالت الزوجة: ليتك تفضّلتَ بإخبارنا به.

قال الاستشاري: قال العلماء في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ فيه دليل على أن الرجل الصالح يُحفظ في ذُريَّته، وتشمل بركة صلاحه لهم الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم، ورَفْع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقرّ عينه بهم.

قال الزوج: أشكرك شكرًا جزيلًا.

قالت الزوجة: جزاكَ الله خيرًا.

مجادلات عقيمة حول ما ليس له قيمة – د.محمد رشيد العويّد

مجادلات عقيمة حول ما ليس له قيمة

د.محمد رشيد العويّد

صدقوني أن أكثر مجادلاتكم، أيها الأزواج والزوجات، حول أشياء لاتستحق أن تتجادلوا حولها، ولاتتنازعوا من أجلها، فإبقاء مابينكم من مودة أهم، والحفاظ على استقرار زواجكم مقدم على محاولة الانتصار في تلك المجادلات.

لو تأملتم في كثير من أسباب تلك المجادلات لوجدتموها تافهة ليست ذات قيمة، فينبغي ألا تدعوا الشيطان يستفيد منها للإيقاع بينكم.

نسيان إغلاق الباب، أو التأخر في تلبية أحد الزوجين طلب الآخر، أو اختلاف ذوقه عن ذوق صاحبه، أو عدم اتفاقهما في الرأي حول موضوع سياسي، وغيرها من الأسباب، ينبغي أن لا نسمح لها بالنَيْل من زواجنا واستقراره.

ماذا تفعلون لتحفظوا أنفسكم وأُسركم من تلك المجادلات العقيمة حول ما ليس له قيمة ؟

لابد أولًا من الاستعانة بالله سبحانه بالدعاء أن يديم المودة بينكم، وأن يرزقكم الحِلْم والأناة والصبر.

وأن تحرصوا ثانيًا على الاستعاذة بالله من الشيطان حين يثور فيكم الغضب عملًا بوصية النبي (ﷺ): (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه مايجد؛ لوقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد) متفق عليه.

وثالثًا أن يتخلى الأزواج والزوجات عن حرصهم على الانتصار في تلك المجادلات، وذلك باعتقادهم الراسخ أن انتصارهم الحقيقي هو في منع تلك المجادلات من إثارة البغضاء بينهم، وليس هناك من يقنعهم بذلك خيرًا من النبي (ﷺ) في حديثه الشريف: (أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان مُحِقًّا) صحيح الجامع، فلنستحضِر الجائزة العظيمة التي وعد بها النبي (ﷺ) من يترك الجدال، حتى ولو كان على حق، حتى ننجح في ترك الجدال.

ومن وسائل ترك الجدال والتوقف عنه حتى بعد الوقوع فيه : تغيير الموضوع الذي نتجادل حوله، وذلك بطرح أمر آخر يشغلنا عن موضوع الجدال ويُخرجنا منه؛ كأن يقول الزوج: لقد تأخرت عن موعدي.. يجب أن أخرج الآن، أو تقول الزوجة: القِدْر على النار يجب أن أتفقدها قبل أن يحترق الطعام… وتذهب إلى المطبخ.

ويمكن أيضًا تغيير موضوع الجدال حتى مع بقاء الزوجين معًا؛ كأن يقول الزوج : لم تخبريني عن امتحان ولدنا اليوم.. هل أجاب إجابات صحيحة؟ أو تقول الزوجة: أرجو أنك لم تواجه ازدحامًا في الطرقات خلال عودتك اليوم.

ومن وسائل إيقاف الجدال أيضًا الانتباه إلى وجود الأطفال واستماعهم إلى والدَيهم وهما يحتدّان في جدالهما وترتفع أصواتهما فيبادر أحد الزوجين إلى تذكير صاحبه بأن ولدهما يسمع جدالهما فلا بدّ من تأجيل الكلام من أجل عدم إحزانه وإقلاقه.

ويحسُن بالزوجين أن يُدركا أن مجرد مخالفة أحدهما الآخر يُنذِر ببدء جدال طويل مرير مالم ينتبها لذلك ويتفقا على أن لا يسوقهما الاختلاف إلى الجدال والبغضاء، ويتذاكرا ذلك عند كل خلاف.

ومن الأحاديث العظيمة المُنبِّهة إلى موطن مهم من مواطن الجدال وهو: تبرير الإنسان لفِعْله من ترك أمر أو مخالفة نهي؛ الحديث التالي:

ذَكَر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي (ﷺ) طَرَقَه وفاطمة وهُما نائمان، فقال: (ألاتصليان؟)، فقال عليّ: يارسول الله؛ إنما أنفسنا بيد الله؛ إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن يُرسلها، فولَّى النبي (ﷺ) وهو يضرب بيده على فَخِذِه ويعيد القول، ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (54) الكهف.

قال العلماء: هذا الحديث نص في ذم من عارض الأمر بالقدر، فإن قوله (إنما أنفسنا بيد الله….إلى آخره) استناد إلى القدر في ترك امتثال الأمر، وهي في نفسها كلمة حق، لكن لاتصلح لمعارضة الأمر؛ بل معارضة الأمر بها من باب الجدل المذموم الذي قال الله فيه: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾.

أيها الأزواج والزوجات.. اهجروا الجدال لتسعدوا وتهنؤوا، وتستقر حياتكم.

لاتسرفوا.. حتى في الضحك – د.محمد رشيد العويّد

لاتسرفوا.. حتى في الضحك
د.محمد رشيد العويّد

عن جابر بن سمُرة رضي الله عنه قال: (كان النبي (ﷺ) لايضحك إلا تبسُّمًا) صحيح الجامع.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ﷺ): (لاتكثر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تُميت القلب) صحيح الجامع.

نهيٌ نبويٌ عن المبالغة في الضحك، وما نهى النبي (ﷺ) عن شيء إلا وكان أوّل من يمتنع منه، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام لايضحك إلا تبسّمًا.

إنه الاعتدال الذي يدعو إليه الإسلام في كل شيء؛ في الأكل والشرب: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾،

وفي الإنفاق: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ 29- الإسراء.

والاعتدال في الحب والبُغض، قال (ﷺ): (أحبِب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما؛ عسى أن يكون حبيبك يومًا ما) صحيح الجامع.

والاعتدال حتى في العبادة: (لكني أصوم وأُفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني) صحيح البخاري.

وهكذا في سائر الأمور؛ كان الإسلام دين الاعتدال والوسطية، فلا مغالاة، ولا اندفاع، ولاتهوّر، وبهما، أي بالاعتدال والوسطية، يستقيم الأفراد ويسعدون، وينصلح المجتمع وتتقدم الأمم.

والدراسات والأبحاث العلمية تتوالى في بيان الخير فيما أمر به الإسلام ودعا إليه، ومنها دراسة تُبيِّن حكمة نهي النبي (ﷺ) عن كثرة الضحك، وبأنها تُميت القلب، فقد أظهرت دراسة حديثة أن الفرح المُفرط قد يصيب القلب بما يُسمى (متلازمة القلب السعيد)، كالفرح الطاغي بفوز فريق رياضي، أو زفاف الأبناء، أو ولادة طفل على سبيل المثال.

وذكرت دراسة أخرى أن القهقهة الشديدة قد تزيد في سرعة نبضات القلب مسببة سكتة قلبية.. كما أن سرعة التنفس عند الضحك يُمكن أن تُدخل جسيمات ضارّة إلى المجرى الهوائي من الفم، فتزيد من فرص حدوث أزمة ربو.

ويؤكّد الدكتور إبراهيم الراوي في دراسة له أن الضحك الكثير يؤثِّر في العضلة القلبية والجملة العصبية، ويَذكر أن الحبال الصوتية تشترك في زفير متقطِّع نتيجة تقلص عضلات البطن والحجاب الحاجز فيرتفع هذا الأخير لارتخاء أربطته وأليافه العضلية بعد انخفاض الضغط في القفص الصدري.

وإذا استمر الضحك وقتًا طويلًا ارتفع الضغط الدموي بسبب التقلص الشديد المتقطع؛ فيحتقن دم الوجه، وتتهيج الغدد الدمعية، وقد يؤدي إلى دوار وآلام قلبية حتى يسقط صاحبها مجهدًا متعبًا.

ويُضيف: وكثرة الضحك تُحمِّل العضلة القلبية جهودًا كبيرة، ويظهر هذا واضحًا لدى المصابين بالأمراض القلبية الذين يصابون بنوبات قد تنتهي بسكتات قلبية وموت مفاجئ.

وتؤكِّد الأبحاث الطبية أن الضحك المتواصل يولِّد توترات عصبية شديدة تُشكِّل خطرًا بالغاً على الصحة العامة للجسم، وقد تُسبب سكتات قلبية.

ومادام حديثنا عادة إلى الزوجين فإننا ندعوهما إلى العمل بوصية النبي (ﷺ) فنقول لهما: لاتُكثِرا الضحك، فالضحك الكثير يضرّ بعلاقتكما الزوجية كما يضرّ بصحتكما البدنية، ذلك أن كثيرًا من النزاعات تقع بين الزوجين بسبب ضحك أحدهما من الآخر، وسخريته منه؛ بل حتى لو لم يقع بينهما نزاع بسبب هذا الضحك الساخر؛ فإن قدْرًا كبيرًا من الكُرْه والبغض يشتعل في قلب الزوج المضحوك منه.

أزواج وزوجات تضمنَّت شكاواهم ضيقهم الشديد من ضحك الزوج أو الزوجة، وذكروا صراحة أنهم شعروا بكراهية شديدة لمن يُكثر الضحك.

كذلك لايحسُن ضحك الوالدين من أبنائهما وبناتهما فإن هذا يُحزنهم أيضًا، وقد يثير مشاعر الكراهية تجاههما، إضافة إلى أنه لايليق بالوالدين اللذين هما قدوة لهم.

بل حتى إذا ضَحِك الأطفال ضَحِكًا مبالغًا فيه، وارتفعت به أصواتهم، فإن على الأبوين أن يُنبِّهاهم إلى أن هذا الضحك لايليق بهم، ولا يحسُن صدوره عنهم، وأن النبي (ﷺ) نهى عنه.