نور من كل جانب – د. محمد رشيد العويد

نور من كل جانب
د. محمد رشيد العويد

ما إن أنهى الشيخ درسه الذي ألقاه في المسجد حتى رفع أحد المصلين يده وقال : ممكن سؤال ؟
رد عليه الشيخ : تفضل .
قال الرجل : أنا طبيب ، ورغم علمي وخبرتي فإني أحياناً لا أوفق في تشخيص مرض المريـض ، فأصف له دواء لا يفيده ، بل لعله يضره ويؤذيه ، فهل هناك دعاء أدعو به حتى أتجنب هذا الخطأ ؟
همَّ الشيخ بإجابة الطبيب عن سؤاله لكنَّ رجلاً آخر قال : أنا أيضاً أعاني هذا في عملي .
سأله الشيخ : أنت أيضاً طبيب ؟
قال : بل أنا مهندس ، وأحياناً أرتكب بعض الأخطاء في رسم المخططات أو في تنفيذها ، رغم خبرتي الطويلة التي امتدت أكثر من عشرين سنة .
بادر رجل ثالث بالسؤال قائلاً : شيخي أنا مدرس رياضيات ورغم تحضيري للدروس جيداً فإنني أحرج أمام الطلبة حين يُغلق علي فلا أنجح في حل بعض المسائل .
التفت الشيخ إلى من حولـه من الحاضرين وقال : هل لدى أحدكم أي سؤال قبل أن أبدأ بالإجابة ؟
رفع أحد الحاضرين يده فقال له الشيخ : تفضل ، ما سؤالك ؟
قال الرجل : أنا أعاني من عدم إمساكي أعصابي حينما تجادلني زوجتي فأغضب وأصرخ فيها وأضربها أحياناً .. ثم أندم بعد ذلك .
قال الشيخ : أنتم جميعاً تعانون مشكلة واحدة ، وهي فقدانكم للرؤية المبصرة فتقعون في ما تقعون فيه من أخطاء .
سأله أحدهم : الرؤية المبصرة ؟ وكيف نحصل على هذه الرؤية المبصرة ؟
أجاب الشيخ : حتى تحصلوا عليها لا بد لكم من نور ، نور يضيء لكم ما أمامكم وما خلفكم وما حولكم ، نور يضيء لكم عقولكم وقلوبكم ونفوسكم ، نور يمتد مئات الكيلومترات ، ويستمر طوال الأيام والشهور والسنوات .
سأله الرجل نفسه : وأين نجد هذا النور ؟
قال الشيخ : لست أنا من يدلكم عليه ؟
سأل الرجل ثانية : من يدلنا عليه إذن ؟
أجاب الشيخ : لقد دلكم عليه نبيكم في هذين الحديثين الشريفين :
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي قال ( من قرأ سورة ( الكهف ) في يوم الجمعة ؛ أضاء له من النور ما بين الجمعتين ) حديث صحيح أخرجه الحاكم والبيهقي .
وفي رواية أخرى عنه رضي الله عنه قال النبي ( من قرأ سورة ( الكهف ) يوم الجمعة أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق ) حديث صحيح أخرجه البيهقي .
فالحديث في الرواية الأولى يُبشر قارئ سورة ( الكهف ) في يوم الجمعة بأن يضيء له من النور ما يمتد زماناً ليشمل المدة الواقعة بين الجمعة التي قرأ فيها السورة إلى الجمعة التالية لها ، فإذا قرأ ( الكهف ) فيها أيضاً وحافظ على قراءتها في كل جمعة فهذا يعني أنـه سيضيء له نور طوال حياته .
والحديث في الرواية الثانية يبشر قارئ ( الكهف ) يوم الجمعة بأن يضيء له نور يمتد مكاناً إلى البيت العتيق ، بيت الله الحرام ، مهما كان بعيداً عنه ، وهذا يشير إلى نور يضيء طريقه أمامه حيثما اتجه وأينما ذهب .
وهكذا فإن الحديث بروايتيه يبشر قارئ (( الكهف )) بنور يمتد زماناً ومكاناً ، فالزمان يشمل حياته كلها إذا حافظ على قراءتها كل يوم جمعة ، ومكاناً يشمل ما حوله ويتصل بنور بيت الله الحرام في مكة المكرمة .

وما أحسب مسلماً يستغني عن هذا النور ببعديه الزماني والمكاني ، هذا النور الذي يحتاجه كل إنسان في عمله وأسرته بل في حياته كلها .
الطبيب يحتاجه في تشخيصه داء مريضه ، فعلمه وحده لا يكفيه ؛ إنه يحتاج إلى نور يضيء له عقله وقلبه ، ويحتاجه في العمليات الجراحية التي يجريها . ( 1 )
والمهندس يحتاجه في رسم المخططات ، وبناء العمارات ، وتقدير الكميات ، ولا تكفيه خبرته وعمله وحدهما ما لم يوفقه الله ويُنِرْ له عقله وطريقه .
والمعلم يحتاجه في تعليم طلبته ، وإرشادهم وتوجيههم ، وهو أحوج إلى هذا النور ليفتح الله عليه ، ويفتح له عقول طلبته وقلوبهم ، ومن دون هذا النور لن يحقق ما يريد على الوجه المرجو والمأمول .
وهكذا كل إنسان في هذه الحياة الدنيا لا يستغني عن هذا النور الذي يضيء له ما أمامه من زمان ومكان ، فيحفظه الله تعالى من أخطاء وسقطات وعثرات ما كان ليراها لولا هذا النور الذي أضاءه الله له بفضل قراءته سورةَ الكهف يوم الجمعة .
وكاتب هذه السطور لا يُخفي عنكم أنه يجد لقراءته سورة الكهف كل يوم جمعة نوراً يضيء له طريق الكتابة أمامه ، فيطوِّع الله له كلماتها ، ويُسهِّل عليه أمرها ، ويبارك له في أوقاتها .

والنبي يرشدنا إلى ما يزيد هذا النور حولنا بالدعاء الذي علمنا إياه (( اللهم اجعل في قلبي نوراً ، وفي لساني نوراً ، وفي بصري نوراً ، وفي سمعي نوراً ، وعن يميني نوراً ، وعن يساري نوراً ، ومن فوقي نوراً ، ومن تحتي نوراً ، ومن أمامي نوراً ، ومن خلفي نوراً ، واجعل لي في نفسي نوراً ، وأعظم لي نوراً ) متفق عليه .

( 1 ) جاء في بحث أميركي أن واحداً من بين كل ثلاثة أشخاص في الولايات المتحدة سيواجه نوعاً من الخطأ أثناء إقامته في مستشفى ، وهذا يؤكد أن العلم والخبرة لا يكفيان وحدهما .

Advertisements

إنكم لا تربحون ولا تدخرون .. بل تجمعون !

إنكم لا تربحون ولا تدخرون .. بل تجمعون !
محمد رشيد العويد

لم يصف سبحانه عمل الذين يجمعون الأموال بـ (( الكسب )) أو (( الربح )) أو (( الادخار )) أو (( التوفير )) ، أو غيرها من الأوصاف التي قد تشير إلى أن ما يفعلونه من كنز للأموال هو خير لهم ، بل لقد وصف سبحانه عملهم هذا بـ (( الجمع )) لينبّه إلى أنهم إنما يضيفون مالاً إلى مال دون أن يكون لهم من هذا المال إلا ما يأكلونه من طعام ، أو يشربونه من شراب ، أو يلبسونه من ثياب . ومهما أكلوا وشربوا ولبسوا فإنهم لن يحتاجوا إلا إلى القليل مما يجمعونه ؛ ومن ثم فإنهم إنما يجمعونه لغيرهم ، ثم يسألون عنه يوم القيامة ، فهل في هذا ربح أو كسب أو ادخار ؟!

سبع آيات وصفته بـ (( الجمع ))

يقول الله تعالى واصفاً عمل هؤلاء بـ (( الجمع )) في سبع آيات كريمات من آيات القرآن الكريم :
– ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون آل عمران 157 .
– ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا : ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون الأعراف 48 .
– أهم يقسمون رحمة ربك ؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ، ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ، ورحمة ربك خير مما يجمعون الزخرف 32 .
– قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون يونس 58 .
– تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى المعارج 17 – 18 .
– ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالاً وعدده يحسب أن ماله أخلده الهمـزة 1 – 3 .
– أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً القصص 78 .

إن وصف الجمع لما يقوم به الفرحون بزيادة أرصدتهم في المصارف ، وما راكموه من ذهب وفضة وعقار ، يقلل كثيراً من قيمة ما يقومون به ، ويهوّن من شأنه ، وينبه إلى أنه ليس كسباً حقيقياً ، أو ربحاً فعلياً ، أو ادخاراً أبدياً ، ذلك أن الموت ينهي امتلاكهم ما جمعوه . ومحدودية حاجة الإنسان إلى الطعام والشراب والكساء تمنعه من استهلاك كل ما جمعه .

أي ربح في جمع حطام الدنيا

ولقد أوضحت الآيات السبع هذه الحقيقة ، ونبهت جامعي حطام الدنيا إلى أنهم لا يقومون بعمل مربح لأنه يشغلهم عما هو خير منه لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ورحمة ربك خير مما يجمعون ومادام السعي إلى الرحمة والمغفرة خيراً من الجمع فهو أربح منه . يقول ابن كثير في الآية ( القتل في سبيل الله ، والموت أيضاً ، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه ، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني ) .
ولقد جاءت المغفرة والرحمة منكّرتين منونتين في قوله تعالى لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون تأكيداً على أن قليلا من رحمة الله ومغفرته خير مما يجمع الناس طوال حياتهم على هذه الأرض . يقول الشيخ إسماعيل البروسوي في تفسيره روح البيان (( لنفحة يسيرة من مغفرة ورحمة كائنتين من الله تعالى بمقابلة ذلك خيـر مما يجمع الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة أعمارهم )) . بل لقد نقل الزمحشري في تفسيره قول ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه النفحة من رحمة الله ومغفرته ( خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء ) أي خير من ملء الأرض كلها ذهباً . ويقول القرطبي إنها خير ( من منافع الدنيا ولذاتها مدة أعمارهم ، وهذا ترغيب للمؤمنين في الجهاد ، وأنه مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون . وفيه تعزية لهم وتسلية مما أصابهم في سبيل الله تعالى إثر إبطال ما عسى أن يثبطهم عن إعلاء كلمة الله تعالى ) .

هل نفع الجمع قارون ؟

ويتأكد هذا التوجيه في آية سورة يونس يا أيها الناس قد جاءكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون . يقول ابن كثير (( أي بهذا الذي جاءهم من الله من الهدي ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى ما يفرحون به ( هو خير مما يجمعون ) أي من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة )) .
ويحكى أن إبراهيم بن أدهم سُرَّ ذات يوم بمملكته ونعمته ، ثم نام فرأى رجلاً أعطاه كتاباً ؛ فإذا فيه مكتوب : لا تؤثر الفاني على الباقي ، ولا تغتر بملكك ؛ فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم ، فسارع إلى أمر الله فإنه يقول ( سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ) فانتبه من نومه فزعاً وقال : هذا تنبيه من الله وموعظة ؛ فتاب إلى الله واشتغل بالموعظة .
من يرفض عطاء عظيماً يأتيه وهو في أشد الحاجة إليه ؟ وهل ثمة عطاء أعظم من عطاءٍ يصفه تعالى بأنه موعظة ، وشفاء لما في الصدور ، وهدى ، ورحمة . يقول صاحب ( روح البيان ) : وفي لفظ ( جاءكم ) إشارة إلى أن القرآن تُحفة من الله تعالى جسيمة ، وهدية منه عظيمة ، وصلت إلينا ؛ فلم يبق إلا القبول ، وقبولُه : الائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه .
وينبه إلى أن الجمع لو كان ينفع أحداً لنفع قارون ما كان يجمعه ، فيقول : فضل الله : إيصال إحسانه إليك . ورحمته : ما سبق لك منه من الهداية ؛ فكأن الله تعالى يقول : عبدي .. لا تعتمد على طاعتك وخدمتك ، واعتمد على فضلي ورحمتي ، ولو كان في جمع حطام الدنيا منفعة لانتفع قارون .

أحمق الحمقى من يختار هذا المصير

ثم لماذا يغفل الناس عن المآل والمصير ؟ عمن يحشرون إليه بعد الموت ؟ لقد جاءت الآية التالية تذكّر بـذلك : ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون . يقول الألوسي في روح المعاني : إنكم ، بأي سبب اتفق هلاككم ، تحشرون إلى الله تعالى لا إلى غيره ، فيجزي كلاً منكم كما يستحق ، فيجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته ، وليس غيره يرجى منه ثواب أو يتوقع منه دفع عقاب ، فآثروا ما يقربكم إليه ويجرّ لكم رضاه من العمل بطاعته والجهاد في سبيله ولا تركنوا إلى الدنيا .
ويوضح صاحب الظلال أن الجمع الخادع ليس مقتصراً على المال إنما يمتد إلى جمع الأمجاد الشخصية ، والسلطان والمتاع والجاه وغيرها من الأعراض الصغار ؛ فالموت أو القتل في سبيل الله – بهذا القيد وبهذا الاعتبار – خير من الحياة ، وخير مما يجمعه الناس في الحياة من أعراض الصغار : من مال ومن جاه ومن سلطان ومن متاع . خير بما يعقبه من مغفرة الله ورحمته ، وهي في ميزان الحقيقة خير مما يجمعون . وإلى هذه المغفرة وهذه الرحمة يكل الله المؤمنين .. إنه لا يكلهم – في هذا المقام – إلى أمجاد شخصية ، ولا إلى اعتبارات بشرية ، إنما يكلهم إلى ما عند الله ، ويعلق قلوبهم برحمة الله ، وهي خيـر مما يجمع الناس على الإطلاق ، وخير مما تتعلق به القلوب من أعراض .
وكلهم مرجوعون إلى الله ، محشورون إليه على كل حال . ماتوا على فراشهم ، أو ماتوا وهم يضربون في الأرض ، أو قتلوا وهم يجاهدون في الميدان . فما لهم مرجع سوى هذا المرجع ، وما لهم مصير سوى هذا المصير … والتفاوت إذن إنما يكون في العمل والنية وفي الاتجاه والاهتمام .. أما النهاية فواحدة : موت أو قتل في الموعد المحتوم ، والأجل المقسوم ، ورجعة إلى الله وحشر في يوم الجمع والحشر .. ومغفرة من الله ورحمة ، أو غضب من الله وعذاب .. فأحمق الحمقى من يختار لنفسه المصير البائس .. وهو ميت على كل حال .
بذلك تستقر في القلوب حقيقة الموت والحياة ، وحقيقة قدر الله . وبذلك تطمئن القلوب إلى ما كان من ابتلاء جرى به القدر ، وإلى ما وراء القدر من حكمة ، وما وراء الابتلاء من جزاء .

هل يزيد العمر كلما زاد الجمع ؟!!

وتأتي آيات سورة المعارج لتبشر الذي يجمع ويجمع ويمسك فلا ينفق في سبيل الله ؛ تبشره بالنار التي تدعوه ليدخل إليها ويكتوي فيها كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى . لقد جمع المال فجعله في وعاء فلم ينفق منه في سبيل الخير .
يقول القرطبي : لقد جمع المال فجعله في وعائه ومنع منه حق الله تعالى فكان جَموعاً مَنوعاَ . قال الحكم : كان عبدالله بن عكيم لا يربط كيسه ويقول : سمعت الله يقول وجمع فأوعى .
لقد كان من قبل مشغولاً عن الدعوة بجمع المال وحفظه في الأوعية ! أما اليوم فالدعوة من جهنم لا يملك أن يلهو عنها ، ولا يملك أن يفتدي بما في الأرض كله منها .
وترسم سورة (( الهمزة )) صورة الذي يجمع المال ويعده ويحصيه مع وَهْمٍ بأنه يزيد في أيام عمره كلما زاد ما يجمعه من أموال حتى إنه ليخلد في الدنيا : – ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالاً وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة وما أدارك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة . أي الذي جمع مالاً كثيراً وأحصاه ، وحافظ على عدده لئلا ينقص فمنعه من الخيرات . قال الطبري : أي أحصى عدده ولم ينفقه في سبيل الله ، ولم يؤد حق الله فيه ولكنه جمعه وأوعاه وحفظه . ويظن هذا الجاهل – لفرط غفلته – أن ماله سيتركه مخلداً في الدنيا لا يموت . أو أنه أعده – كما يزعم – لنوائب الدهر . وقيل : أحصى عدده . وقال الضحاك : أعد ماله لمن يرثه من أولاده . وقيل : فاخر بعدده وكثرته ، والمقصود الذم على إمساك المال عن سبيل الطاعة .

نفخة فاجرة
إنه يعده مرة بعد مرة ، شغفاً به وتلذذاً بإحصائه ، لأنه لا يرى عزاَ ولا شرفاً ولا مجداً في سواه . فكلما نظر إلى كثرة ما عنده منه انتفخ وظن أنه من رفعة المكانة ، بحيث يكون كل ذي فضل ومزية دونه ؛ فهو يهزأ به ويلمزه . ثم لا يخشى أن تصيبه عقوبة على الهمزة واللمزة وتمزيق العرض لأن غروره بالمال أنساه الموت ، وصرف عنه ذكر المآل فهو يحسب أن ماله أخلده أي يظن أن ماله الذي جمعه وأحصاه وبخل بإنفاقه .. مخلده في الدنيا فمزيل عنه الموت .

ويروح يشعر أن المال هو القيمة العليا في الحياة ؛ القيمة التي تهون أمامها عنده جميع القيم وجميع الأقدار : أقدار الناس ، وأقدار المعاني ، وأقدار الحقائق ، وأنه وقد ملك المال فقد ملك كرامات الناس وأقدارهم بلا حساب !
كما يروح يحسب أن هذا المال إله قادر على كل شيء ، لا يعجز عن فعل شيء ! حتى دفع الموت وتخليد الحياة ، ودفع قضاء الله وحسابه وجزائه إن كان هناك في نظره حساب وجزاء !
ومن ثم ينطلق في هوس بهذا المال يعده ويستلذ تعداده ، وتنطلق في كيانه نفخة فاجرة ، تدفعه إلى الاستهانة بأقدار الناس وكراماتهم ، ولمزهم وهمزهم .. يعيبهم بلسانه ويسخر منهم بحركاتـه ، سواء بحكاية حركاتهم وأصواتهم ، أو بتحقير صفاتهم وسماتهم .. بالقول والإشارة .. بالغمز واللمز .. باللغة الساخرة والحركة الهازلة !

معالم

وبعد ، فإن وصف القرآن اندفاع الناس المحموم في تحصيل المال بـ (( الجمع )) يرسم لنا هذه المعالم :
* ينبغي أن يصحح الإنسان مشاعره فلا يفرح بزيادة رصيده يوماً بعد آخر ، بل إن الذي يستحق الفرح حقاً ما يناله المسلم من رحمة ربه ومغفرته ، (( لا المال ولا أعراض هذه الحياة . إن ذلك هو الفرح العلوي الذي يطلق النفس من عقال المطامع الأرضية والأعراض الزائلة ، فيجعل هذه الأعراض خادمة للحياة لا مخدومة ، ويجعل الإنسان فوقها وهو يستمتع بها لا عبداً خاضعاً لها )) .
* لا يعني هذا أن يتوقف الإنسان عن السعي في الأرض ، والعمل من أجل أن يكسب ما يلبي حاجاته المختلفة ، فالإسلام (( لا يحقر أعراض الحياة الدنيا ليهجرها الناس ويزهدوا فيها . إنما هو يزنها بوزنها ليستمتع بها الناس وهم أحرار الإرادة طلقاء اليد ، مطمحهم أعلى من هذه الأعراض ، وآفاقهم أسمى من دنيا الأرض . والإيمان عندهم هو النعمة ، وتأدية مقتضيات الإيمان هي الهدف . والدنيا بعد ذلك مملوكة لهم لا سلطان لها عليهم .
* وهذا هو ما تعلمه الصحابة رضي الله عنهم وأدركوه جيداً . عن عقبة بن الوليد عن صفوان بن عمرو قال : سمعت أيفع بن عبدالله الكلاعي يقول : لما قدم خراج العراق إلى عمر – رضي الله عنه – خرج عمر ومولى له ، فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك ، فجعل يقول : الحمد لله تعالى ، ويقول مولاه : هذا والله من فضل الله ورحمته ، فقال عمر : كذبت ، ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى : قل : بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون .

هكذا كان الرعيل الأولون ينظرون إلى قيم الحياة . كانوا يعدون الفضل الأول والرحمة الأولى هي ما جاءهم من الله من موعظة وهدى . فأما المال ، وأما الثراء ، وأما النصر ذاته فهو تابع . لذلك كان النصر يأتيهم ، وكان المال ينثال عليهم ، وكان الثراء يطلبهم . إن طريق هذه الأمة واضح . إنه في هذا الذي يسنه لها قرآنها . وفي سيرة الصدر الأول الذين فهموه من رجالها .. هذا هو الطريق .
* إن تربية أفراد المجتمع على هذا يقي كثيراً مما يحدث فيه من جرائم يدفع إليها ذاك النهم في جمع المال وكنزه ، والرغبة المحمومة في الحصول عليه ، ويمنع حدوث تلك الخلافات الخطيرة بين الأقارب والأصدقاء ، بل بين أفراد الأسرة الواحدة أحياناً ؛ بين الأخ وأخيه والأب وبنيه .
* وأختم بهذه الكلمات لصاحب الظلال الذي يقول : إن القيمة العليا يجب أن تبقى لفضل الله ورحمته المتمثلين في هداه الذي يشفي الصدور ، ويحرر الرقاب ، ويُعلي من القيم الإنسانية في الإنسان . وفي ظل هذه القيمة العليا يمكن الانتفاع برزق الله الذي أعطاه للناس في الأرض ، وبالتصنيع الذي يوفر الإنتاج المادي ، وبالتيسيرات المادية التي تقلل من شدة الكدح ، وبسائر هذه القيم التي تقرع الجاهلية حولها الطبول في الأرض .
وصدق الله العظيم يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ، وشفاء لما في الصدور ، وهدى ورحمة للمؤمنين : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون .

تَسلَّم عُشْر مرتبه !

تَسلَّم عُشْر مرتبه !

حين تَسلّم (( غافل )) مرتبه وعدّه ؛ وجده ستين ديناراً فقط ، بينما هو ستمائة دينار .
عاد (( غافل )) إلى أمين الصندوق وسأله : أين باقي مرتبي ؟
قال له أمين الصندوق : هذا هو مرتبك كله !
قال غافل : لقد أعطيتني ستين ديناراً ومرتبي ستمائة !
ردّ أمين الصندوق : هذا ما هو مدوّن في كشف الرواتب أعطيتك إياه .
لم يجد غافل بداً من التوجه إلى مدير الإدارة التي يعمل فيها ؛ وما إن أذن له بالدخول وصار في غرفة المكتب حتى بثَّ شكواه إلى مديره قائلاً : لقد أعطوني ستين ديناراً من مرتبي البالغ ستمائة دينار !
قال له المدير : هذا الذي أخذته هو قيمة ما عملته خلال الشهر !
تساءل غافل : ولكني لم أغب عن عملي في أي يوم !
قال المدير : لم تغب بجسمك .. ولكنك غبت في إنتاجك .
تساءل غافل في حيرة : ماذا تعني ؟
قال المدير : لقد أمر مجلس إدارة الشركة بتركيب (( كاميرات )) خفية فوق كل موظف ، تسجل عليه كل ما يقوم به من عمل ، بدءاً من أول الشهر الماضي . وحين عرضنا أشرطة (( الفيديو )) التي سجلت جميع ساعات عملك وجدنا فيها تسعين مكالمة هاتفية خاصة وصلت أوقاتها إلى ست وأربعين ساعة ، ووجدنا على الأشرطة أيضاً استقبالك زائرين خاصين لا صلة لهم بعملك أمضيت معهم أربعاً وتسعين ساعة ، وأحصينا ثلاثين ساعة كنت تقرأ فيها الصحف والمجلات . وبعد أن أنقصنا مجموع هذه الساعات من مجموع ساعات العمل وجدنا أنك لم تعمل سوى عُشْر الوقت الذي ينبغي أن تـعمل فيه ، فقد أمضيت تسعة أعشار وقتك في المكالمات الهاتفية ، ومجالسة الزائرين الخاصين ، وقراءة الصحف والمجلات ، وفي غيرها مما لا صلة له بعملك . ولهذا لم نصرف لك سوى عُشْر مرتبك . وما أحسب أننا ظلمناك .
أردت بهذه القصة الرمزية أن أقدم لحديث نبوي رواه الإمام أبو داود في صحيحه وحسّنه الألباني في صحيح الجامع الصغير . وهذا نص الحديث :
عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الرجل لينصرف وما كُتب له إلا عُشْر صلاته ، تسعها ، ثمنها ، سبعها ، سدسها ، خمسها ، ربعها ، ثلثها ، نصفها )) أخرجه أبو داود في صحيحه وأحمد وابن حبان .
إذاً ؛ فإن حال الموظف الذي لم يتسلم سوى عشر مرتبه لأنه لم يعمل سوى في عُشْر وقت دوامه ؛ يشبه حال المصلي الذي لم يخشع سوى في عشر صلاته . جاء في (( عون المعبود في شرح سنن أبي داود )) : ( إن الرجل لينصرف ) أي من صلاته ( وما كتب له إلا عشر صلاته ) : أي عشر ثوابها لما أخلَّ في الأركان والشرائط والخشوع والخضوع وغير ذلك . ( تسعها ، ثمنها ، سبعها إلخ … ) بحذف حرف العطف ، والمعنى أن الرجل قد ينصرف من صلاته ولم يكتب له إلا عشر صلاته أو تسعها أو ثمنها ، بل قد لا يكتب له شيء من الصلاة كما ورد في طائفة من المصلين .
ولو عدنا إلى القصة الرمزية وسألنا : كيف سيكون حال الموظف في الشهر التالي وقد علم أن في مكتبه (( كاميرا )) تصور كل شيء وتسجله ؟ وأنه سيخصم من مرتبه كل ما يضيعه من وقت في غير عمله المكلف به ؟ ألن نجده يعتذر عن استقبال الزيارات الخاصة ؟ ويختصر أحاديثه في المكالمات الهاتفية ؟ ويتوقف عن قراءة الصحف والمجلات ؟
ومثل هذا نرجوه من المسلم بعد أن يقرأ حديثه صلى الله عليه وسلم الذي يخبر فيه أنه لا يكتب له من صلاته إلا ما خشع فيها وأقامه من شروطها وأركانها .
ليدفع المصلى كل خاطر يتسلل إلى نفسه ليشغله به الشيطان عن خشوعه كما يدفع الموظف بعيداً كل ما يشغله عن عمله .
ليصرف حوائج الدنيا عن تفكيره كما يصرف الموظف زائريه ويعتذر عن استقبالهم في أثناء عمله .

بقية الله خير لكم

بقية الله خير لكم

بقية الله خير لكم… هذه الكلمات القرآنية، بنسقها الجميل، وتأثيرها الكبير، وتوجيهها الحكيم، يحسن أن يقف عندها المسلم ويعيشها دائماً وهو يترك ما له عند الآخرين، ويتجاوز عن إخوانه الذين تعدوا عليه، ويتحرى الطيب الحلال دون غيره.
لقد جاءت هذه الكلمات الأربع ضمن كلام شعيب عليه السلام لقومه الذين كانوا ينقصون المكيال والميزان ويفسدون في الأرض. فلنقرأ معاً الآيات 84 و 85 و 86 من سورة هود عليه السلام وإلى مديـن أخاهم شعيباً. قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، ولا تنقصوا المكيال والميزان، إني أراكم بخير، وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين، وما أنا عليكم بحفيظ
ولقد نقل المفسرون أقوال العلماء في المراد من قوله تعالى بقية الله منها قول ابن عباس : رزق الله، ومجاهد : طاعة الله، والربيع : وصية الله. والفراء : مراقبة الله. وابن زيـد : رحمة الله. وابن جرير : ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس.
وسبحان الله، يبقى التعبير القرآني بقية الله أجمل وأشمل، فهو يشمل هذه المعاني التي ذكرها العلماء جميعها، ويزيد عليها، ويؤثر في السامع والقارئ تأثيراً مطمئناً لنفسه، مبشراً لها، وباعثاً الرضا والسرور في قلبه.
بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين فلفظ بقية الله من حروف البقاء، أي مما يبقى ولا ينفد، ولا ينتهي، ولا يزول، فكيف إذا كانت هذه البقية هي بقية الله ؟!
ولقد فصَّل الرازي رحمه الله في تفسيره لها فقال : المراد من هذه البقية إما المال الذي يبقى عليه في الدنيا، وإما ثواب الله، وإما كونه تعالى راضياً عنه، والكل خير من التطفيف. أما المال الباقي فلأن الناس إذا عرفوا إنساناً بالصدق والأمانة والبعد عن الخيانة اعتمدوا عليه ورجعوا في كل المعاملات إليه.. فيفتح عليه باب الرزق، وإذا عرفوه بالخيانة والمكر انصرفوا عنه ولم يخالطوه البتة فتضيق أبواب الرزق عليه. وأما إن حملنا هذه البقية على الثواب فالأمر ظاهر ؛ لأن كل الدنيا تفنى وتنقرض وثواب الله باق. وأما إن حملناه على حصول رضا الله تعالى فالأمر فيه ظاهر، فثبت بهذا البرهان أن بقية الله خير.
ولكن الإنسان يخسر ما في بقية الله من خير ورزق ورحمة وثواب إذا آثر ما يكسبه من حرام، لأنه يخرج من طائفة المؤمنين المبشرين بما تحمله بقية الله من بشارات.
يقول الرازي رحمه الله في قوله تعالى إن كنتم مؤمنين : وإنما شرط الإيمان في كونه خيراً لهم لأنهم إن كانوا مؤمنين مقرين بالثواب والعقاب عرفوا أن السعي في تحصيل الثواب والحذر من العقاب خير لهم من السعي في تحصيل ذلك القليل.
ويضيف الرازي قائلاً : واعلم أن المعلق بالشرط عدمٌ عند عدم الشرط، فهذه الآية تدل بظاهرها على أن من لم يحترز عن هذا التطفيف فإنه لا يكون مؤمناً.
ما أجمل هذا وما أبلغه !
ألا تكون هذه الآية من خير ما يُذكَّر به الناس في كل زمان ؟! يُذكَّر بها ذاك الإنسان المندفع في جمع المال غير مكترث إن خالطه الحرام من ربا ورشوة وغيرهما.
ويُذكَّر بها ذاك الذي يقترض المال وهو ينوي عدم سداده.
ويُذكَّر بها ذاك الذي يغش في بيعه وتجارته وعمله.
بل يُذكَّر بها أيضاً كل من يرتكب الحرام أياً كان هذا الحرام.
يُذكر بأن ما عند الله الباقي خير مما يحرص عليه من الحرام.

صل رحمك.. واكسب

صل رحمك.. واكسب

قال أحمد لأخيه: لا تنسَ أننا سنزور عمنا أبا مصعب بعد أدائنا صلاة العصر في المسجد.
رد أخوه حسان: ولكني أريد أن أذهب إلى صديقي عمر في محل والده الذي يعمل فيه.
قال أحمد: لكن زيارة عمك أهم ، وفيها صلة رحم.
رد حسان: والد صديقي عمر يكافئ كلاً منا خمسة دنانير ولا أريد أن أخسرها.
سأل أحمد: وعلام يكافئك وولده عمر خمسة دنانير؟
أجاب حسان: على مساعدتنا له في ترتيب بعض السلع في المحل وعلى مشاركتنا له في بيع الزبائن.
قال أحمد: لكنك أيضاً تكسب من زيارة عمك، فلماذا لا تؤثر هذا الكسب على ما تكسب من زيارة صديقك عمر؟
تساءل حسان متعجباً: ولكن عمي لا يعطينا شيئاً إذا زرناه.. اللهم إلا في العيد!
قال أحمد: عمنا لا يعطينا، لكن الله ربنا يعطينا، أفليس عطاء الله خيراً من عطاء الناس جميعاً؟
حسان: ربنا يعطينا أجراً وثواباً في الآخرة على صلتنا أرحامنا.
أحمد: ليس في الآخرة وحدها، بل في الدنيا أيضاً.
حسان: ماذا يعطينا في الدنيا؟
أحمد: ألا تريد الذهاب إلى صديقك عمر لمساعدة والده حتى يعطيك مالاً.. الله يعطيك مالاً وغيره من الخير والفضل في الدنيا قبل الآخرة.
حسان: كيف يعطينا ربنا مالاً في الدنيا؟
أحمد: أما قرأت حديث النبي صلى الله عليه وسلم (من أحب أن يُبْسط له في رزقه، وأن يُنْسَأَ له في أثره؛ فليصل رحمه) متفق عليه.
حسان: والرزق يشمل المال.
أحمد: أجل، الرزق يشمل المال، ولهذا نجد أن من يصلون أرحامهم مرزوقون بالمال وغيـره.
حسان: كيف؟
أحمد: لقد جعل البخاري هذا الحديث في باب سماه (باب من بُسط له في الرزق بصلة الرحم) فجعله في صيغة الماضي (من بُسط له) ولم يقل (من يبسط له) لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، ووعده متحقق بإذن الله.
وفي رواية أخرى للترمذي (إن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثـر) وفي رواية للبخاري في الأدب المفرد (من اتقى ربه ووصل رحمه نُسئ له في عمره، وثرى ماله، وأحبه أهله).