كيف أكون أبًا مثاليًا (1) – د.محمد رشيد العويّد

كيف أكون أبًا مثاليًا (1)
د.محمد رشيد العويّد

قال: عندي ثلاث بنات وولدان؛ وأرغب في أن أكون لهم أبًا مثاليًا.

قلت: نيّة طيّبة ورغبة صالحة، أدعو الله أن يُعينك على تحقيقها.

قال: هل لي أن أعرف صفات الأب المثالي لأحرص على التحلي بها؟

قلت: أولها أن تكون قدوة لأبنائك في كل خلق تريدهم أن يتحلوا به، فإذا كنت تريدهم أن يتحلوا بالصدق مثلًا، فإن عليك ألاتكذب أبدًا.. إنهم يراقبونك في كل شيء، وحالك يؤثر فيهم أكثر من كلامك.

قال: جميل. ثم ماذا؟

قلت: ألاتبخل عليهم بعلمك ووقتك ومالك.

قال: هذه ثلاثة أحتاج لها شرحًا منك.

قلت: أبشر.. أما علمك فهو كل مااكتسبته في حياتك من علم وخبرة وتجربة، تنقل إليهم منها ما هم في حاجة إليه في حياتهم.

قال: ووقتي؟

قلت: أعلم أن أكثر الناس هذه الأيام يشتكون ضيق الوقت، وكثرة الأعباء والمشاغل، ولكن يبقى الأبناء أول من يستحقون وقت أبيهم، فلاينشغل عنهم، ولا يُقدم عليهم سواهم من الناس، بل يجالسهم ليؤنسهم، ويوجههم، ويسمع منهم، ويلبي لهم حاجاتهم المختلفة.

قال: يبقى عدم بخلي على أولادي بمالي.

قلت: المال عصب الحياة كما يقولون، والأبناء وأمهم أولى الناس بمالك، ولقد أكد النبي (ﷺ) هذا الأمر في حديثه الشريف الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدّقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك).

قال: أعرف آباء يجعلون أولادهم في ذيل قائمة نفقاتهم، وهم بهذا يخالفون ما أوصى به النبي (ﷺ) في هذا الحديث الشريف.

قلت: والأب المثالي يقدم أسرته على جميع الناس في إنفاقه ماله عليهم.

قال: وماذا أيضًا من صفات الأب المثالي؟

قلت: أن يعدل بين أبنائه.

قال: فيمَ أعدل؟

قلت: في النفقة، والحب، والاهتمام.. في كل شيء.

قال: هل أمر النبي (ﷺ) بهذا العدل؟

قلت: نعم، ففي حديثه الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال النبي (ﷺ): (اعدلوا بين أولادكم في النِّحَل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البِرِّ واللطف). صحيح الجامع.

قال: ما معنى (النِّحَل) الذي وَرَدَ في حديثه (ﷺ)؟

قلت: النَّحْلُ هو العطاء والمنح، والنِّحَل: جمع (نِحْلة) وهي العطية والهدية.

قال: إذن الأمر هنا بالعطاء المادي فقط؟

قلت: لا، بل بالعطاء المعنوي أيضًا، مثل التعبير عن حبك لهم، وتقبيلهم، والعطف عليهم. قال الدميري: لا خلاف في أن التسوية بينهم، أي الأولاد، مطلوبة حتى في التقبيل.

قال: يصْدِف أحيانًا أن يكون أحد أبنائي مريضًا فهل عليّ حرج إذا أوليته مزيدًا من الاهتمام والرعاية؟

قلت: لا حرج عليكَ إن شاء الله، فهذا مُسوّغ شرعي.. يقول الشيخ محمد صالح المُنجد مُعدِّدًا بعض الحالات المستثناة: (كأن تقوم حاجة بأحد الأولاد لم تقُم بالآخرين؛ كمرض، أو دَيْن عليه، أو مكافأة له على حفظه القرآن مثلًا، أو أنه لايجد عملًا، أو صاحب أسرة كبيرة، أو طالب علم متفرغ؛ ونحو ذلك، وعلى الوالد أن ينوي إذا أعطى أحدًا من أولاده لسبب شرعي أنه لو قام بولد آخر مثل حاجة الذي أعطاه أنه سيعطيه كما أعطى الأول.

في العدد المقبل إن شاء الله نواصل الحوار.

 

Advertisements

نزاع مالي بين زوجين – د.محمد رشيد العويّد

نزاع مالي بين زوجين
د.محمد رشيد العويّد

جلس الزوجان أمام الاستشاري يعرضان عليه نزاعاتهما حول إنفاقهما على أسرتهما، فالزوجة تعرض حقها على زوجها بأن يُنفق عليها مهما كانت تملك من مال، وتؤيّد حقها هذا بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي عليه الصلاة والتسليم، والزوج يرد بأنه لايُنكر شيئًا من هذا، لكن ما يُنكره هو أن زوجته تعمل في وظيفة مرتبها فيها يفوق مرتبه، وأنها لاتُسهم بأي قدر منه في الإنفاق على البيت رغم أن هذا كان شرطه عليها حين أَذِن لها بالعمل.

قال لهما الاستشاري: لستُ من أهل الفتوى لأفتيكما بما يُحدِّد من منكما على حق، لكني أُريد أن أسألكما: هل أحضرتم الأولاد الذين معكما في البيت من الملجأ؟!

نظر الزوجان مستنكرين سؤال الاستشاري، ثم قالت الزوجة: ماذا تقول يا دكتور؟! هؤلاء أولادنا، حملتُ كل واحد منهم تسعة أشهر في بطني ثم أرضعته وربّيته وعلّمته.

التفت الاستشاري إلى الزوج يسأله: هل توافق على كلام زوجتك وتؤيده؟

قال الزوج: طبعًا يا دكتور، هؤلاء أولادنا ولم نحضرهم من ملجأ، ولا مِن أي مكان آخر، وهم فلذات كبدي، وأنا لاأبخل عليهم بشيء.

قال الاستشاري: هذا جميل.. وما دمتما متفقين على ذلك، وما دمتما تحبان أولادكما هذا الحب العظيم، فما كان ينبغي أن تختلفا في الإنفاق عليهم، بل كان عليكما أن تتنافسا فيه؛ لأن ما يُنفقه كل منكما على أسرته خير له من أي إنفاق آخر، كما يخبرنا النبي (ﷺ) في حديثه الشريف الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار أنفقته على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك؛ أعظمها أجرًا الدينار الذي أنفقته على أهلك) صحيح مسلم.

قال الزوج: إنما أريد أن أدّخر لهم.

قال الاستشاري: خير ادّخار لهم هو تعليمهم، وتربيتهم، وإصلاحهم، فهذا الذي يبقى، أما المال فقد يذهب ولايبقى، بل حتى صلاحك أنت خير لهم، وبه يحفظ الله لهم أموالهم؛ كما تعلمنا من سورة الكهف: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.

قالت الزوجة: لم ينفع الأب ادخاره لأولاده بل الذي نفعه صلاحه ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ﴾.

قال الزوج: كذلك لم تنفعه إرادته في وصول الكنز إليهما لأن مَنْ أوصله لهما إنما هو الله سبحانه: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.

قال الاستشاري: أحسنتما، بارك الله فيكما، ولعلكما لاحظتما قوله تعالى ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾؛ فرحمة والديهما لم تنفعهما في إيصال الكنز إليهما؛ بل نفعتهما رحمة الله الذي هو أرحم بهما من والديهما.

قال الزوج: أقرأ سورة الكهف كل يوم جمعة، ولم أكن أُدرك ما تُرشد إليه هذه الآية الكريمة كما أدركته اليوم.

قالت الزوجة: بعدما سمعتُ منك ما سمعتُ يا دكتور؛ أشهدك أنني سأُسهم بنصف مرتبي في الإنفاق على أولادي، وأُساعد زوجي في الإنفاق عليهم.

قال الزوج: وأنا أعدُكِ أن لاآخذ من مُرتَّبكِ إلا ما يكفيني.

قال الاستشاري: الحمد لله الذي هداكما لهذا ووفقكما إليه، وأحب أن أبشركما بأن صلاحكما لايحفظ الله به المال لأولادكما فحسب، بل أكثر من ذلك كما جاء في تفسير الآية.

قالت الزوجة: ليتك تفضّلتَ بإخبارنا به.

قال الاستشاري: قال العلماء في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ فيه دليل على أن الرجل الصالح يُحفظ في ذُريَّته، وتشمل بركة صلاحه لهم الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم، ورَفْع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقرّ عينه بهم.

قال الزوج: أشكرك شكرًا جزيلًا.

قالت الزوجة: جزاكَ الله خيرًا.

مجادلات عقيمة حول ما ليس له قيمة – د.محمد رشيد العويّد

مجادلات عقيمة حول ما ليس له قيمة

د.محمد رشيد العويّد

صدقوني أن أكثر مجادلاتكم، أيها الأزواج والزوجات، حول أشياء لاتستحق أن تتجادلوا حولها، ولاتتنازعوا من أجلها، فإبقاء مابينكم من مودة أهم، والحفاظ على استقرار زواجكم مقدم على محاولة الانتصار في تلك المجادلات.

لو تأملتم في كثير من أسباب تلك المجادلات لوجدتموها تافهة ليست ذات قيمة، فينبغي ألا تدعوا الشيطان يستفيد منها للإيقاع بينكم.

نسيان إغلاق الباب، أو التأخر في تلبية أحد الزوجين طلب الآخر، أو اختلاف ذوقه عن ذوق صاحبه، أو عدم اتفاقهما في الرأي حول موضوع سياسي، وغيرها من الأسباب، ينبغي أن لا نسمح لها بالنَيْل من زواجنا واستقراره.

ماذا تفعلون لتحفظوا أنفسكم وأُسركم من تلك المجادلات العقيمة حول ما ليس له قيمة ؟

لابد أولًا من الاستعانة بالله سبحانه بالدعاء أن يديم المودة بينكم، وأن يرزقكم الحِلْم والأناة والصبر.

وأن تحرصوا ثانيًا على الاستعاذة بالله من الشيطان حين يثور فيكم الغضب عملًا بوصية النبي (ﷺ): (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه مايجد؛ لوقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد) متفق عليه.

وثالثًا أن يتخلى الأزواج والزوجات عن حرصهم على الانتصار في تلك المجادلات، وذلك باعتقادهم الراسخ أن انتصارهم الحقيقي هو في منع تلك المجادلات من إثارة البغضاء بينهم، وليس هناك من يقنعهم بذلك خيرًا من النبي (ﷺ) في حديثه الشريف: (أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان مُحِقًّا) صحيح الجامع، فلنستحضِر الجائزة العظيمة التي وعد بها النبي (ﷺ) من يترك الجدال، حتى ولو كان على حق، حتى ننجح في ترك الجدال.

ومن وسائل ترك الجدال والتوقف عنه حتى بعد الوقوع فيه : تغيير الموضوع الذي نتجادل حوله، وذلك بطرح أمر آخر يشغلنا عن موضوع الجدال ويُخرجنا منه؛ كأن يقول الزوج: لقد تأخرت عن موعدي.. يجب أن أخرج الآن، أو تقول الزوجة: القِدْر على النار يجب أن أتفقدها قبل أن يحترق الطعام… وتذهب إلى المطبخ.

ويمكن أيضًا تغيير موضوع الجدال حتى مع بقاء الزوجين معًا؛ كأن يقول الزوج : لم تخبريني عن امتحان ولدنا اليوم.. هل أجاب إجابات صحيحة؟ أو تقول الزوجة: أرجو أنك لم تواجه ازدحامًا في الطرقات خلال عودتك اليوم.

ومن وسائل إيقاف الجدال أيضًا الانتباه إلى وجود الأطفال واستماعهم إلى والدَيهم وهما يحتدّان في جدالهما وترتفع أصواتهما فيبادر أحد الزوجين إلى تذكير صاحبه بأن ولدهما يسمع جدالهما فلا بدّ من تأجيل الكلام من أجل عدم إحزانه وإقلاقه.

ويحسُن بالزوجين أن يُدركا أن مجرد مخالفة أحدهما الآخر يُنذِر ببدء جدال طويل مرير مالم ينتبها لذلك ويتفقا على أن لا يسوقهما الاختلاف إلى الجدال والبغضاء، ويتذاكرا ذلك عند كل خلاف.

ومن الأحاديث العظيمة المُنبِّهة إلى موطن مهم من مواطن الجدال وهو: تبرير الإنسان لفِعْله من ترك أمر أو مخالفة نهي؛ الحديث التالي:

ذَكَر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي (ﷺ) طَرَقَه وفاطمة وهُما نائمان، فقال: (ألاتصليان؟)، فقال عليّ: يارسول الله؛ إنما أنفسنا بيد الله؛ إن شاء أن يمسكها وإن شاء أن يُرسلها، فولَّى النبي (ﷺ) وهو يضرب بيده على فَخِذِه ويعيد القول، ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (54) الكهف.

قال العلماء: هذا الحديث نص في ذم من عارض الأمر بالقدر، فإن قوله (إنما أنفسنا بيد الله….إلى آخره) استناد إلى القدر في ترك امتثال الأمر، وهي في نفسها كلمة حق، لكن لاتصلح لمعارضة الأمر؛ بل معارضة الأمر بها من باب الجدل المذموم الذي قال الله فيه: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾.

أيها الأزواج والزوجات.. اهجروا الجدال لتسعدوا وتهنؤوا، وتستقر حياتكم.

لاتسرفوا.. حتى في الضحك – د.محمد رشيد العويّد

لاتسرفوا.. حتى في الضحك
د.محمد رشيد العويّد

عن جابر بن سمُرة رضي الله عنه قال: (كان النبي (ﷺ) لايضحك إلا تبسُّمًا) صحيح الجامع.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ﷺ): (لاتكثر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تُميت القلب) صحيح الجامع.

نهيٌ نبويٌ عن المبالغة في الضحك، وما نهى النبي (ﷺ) عن شيء إلا وكان أوّل من يمتنع منه، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام لايضحك إلا تبسّمًا.

إنه الاعتدال الذي يدعو إليه الإسلام في كل شيء؛ في الأكل والشرب: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾،

وفي الإنفاق: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ 29- الإسراء.

والاعتدال في الحب والبُغض، قال (ﷺ): (أحبِب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما؛ عسى أن يكون حبيبك يومًا ما) صحيح الجامع.

والاعتدال حتى في العبادة: (لكني أصوم وأُفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني) صحيح البخاري.

وهكذا في سائر الأمور؛ كان الإسلام دين الاعتدال والوسطية، فلا مغالاة، ولا اندفاع، ولاتهوّر، وبهما، أي بالاعتدال والوسطية، يستقيم الأفراد ويسعدون، وينصلح المجتمع وتتقدم الأمم.

والدراسات والأبحاث العلمية تتوالى في بيان الخير فيما أمر به الإسلام ودعا إليه، ومنها دراسة تُبيِّن حكمة نهي النبي (ﷺ) عن كثرة الضحك، وبأنها تُميت القلب، فقد أظهرت دراسة حديثة أن الفرح المُفرط قد يصيب القلب بما يُسمى (متلازمة القلب السعيد)، كالفرح الطاغي بفوز فريق رياضي، أو زفاف الأبناء، أو ولادة طفل على سبيل المثال.

وذكرت دراسة أخرى أن القهقهة الشديدة قد تزيد في سرعة نبضات القلب مسببة سكتة قلبية.. كما أن سرعة التنفس عند الضحك يُمكن أن تُدخل جسيمات ضارّة إلى المجرى الهوائي من الفم، فتزيد من فرص حدوث أزمة ربو.

ويؤكّد الدكتور إبراهيم الراوي في دراسة له أن الضحك الكثير يؤثِّر في العضلة القلبية والجملة العصبية، ويَذكر أن الحبال الصوتية تشترك في زفير متقطِّع نتيجة تقلص عضلات البطن والحجاب الحاجز فيرتفع هذا الأخير لارتخاء أربطته وأليافه العضلية بعد انخفاض الضغط في القفص الصدري.

وإذا استمر الضحك وقتًا طويلًا ارتفع الضغط الدموي بسبب التقلص الشديد المتقطع؛ فيحتقن دم الوجه، وتتهيج الغدد الدمعية، وقد يؤدي إلى دوار وآلام قلبية حتى يسقط صاحبها مجهدًا متعبًا.

ويُضيف: وكثرة الضحك تُحمِّل العضلة القلبية جهودًا كبيرة، ويظهر هذا واضحًا لدى المصابين بالأمراض القلبية الذين يصابون بنوبات قد تنتهي بسكتات قلبية وموت مفاجئ.

وتؤكِّد الأبحاث الطبية أن الضحك المتواصل يولِّد توترات عصبية شديدة تُشكِّل خطرًا بالغاً على الصحة العامة للجسم، وقد تُسبب سكتات قلبية.

ومادام حديثنا عادة إلى الزوجين فإننا ندعوهما إلى العمل بوصية النبي (ﷺ) فنقول لهما: لاتُكثِرا الضحك، فالضحك الكثير يضرّ بعلاقتكما الزوجية كما يضرّ بصحتكما البدنية، ذلك أن كثيرًا من النزاعات تقع بين الزوجين بسبب ضحك أحدهما من الآخر، وسخريته منه؛ بل حتى لو لم يقع بينهما نزاع بسبب هذا الضحك الساخر؛ فإن قدْرًا كبيرًا من الكُرْه والبغض يشتعل في قلب الزوج المضحوك منه.

أزواج وزوجات تضمنَّت شكاواهم ضيقهم الشديد من ضحك الزوج أو الزوجة، وذكروا صراحة أنهم شعروا بكراهية شديدة لمن يُكثر الضحك.

كذلك لايحسُن ضحك الوالدين من أبنائهما وبناتهما فإن هذا يُحزنهم أيضًا، وقد يثير مشاعر الكراهية تجاههما، إضافة إلى أنه لايليق بالوالدين اللذين هما قدوة لهم.

بل حتى إذا ضَحِك الأطفال ضَحِكًا مبالغًا فيه، وارتفعت به أصواتهم، فإن على الأبوين أن يُنبِّهاهم إلى أن هذا الضحك لايليق بهم، ولا يحسُن صدوره عنهم، وأن النبي (ﷺ) نهى عنه.

حين تكون الزوجة معلمة والزوج تلميذاً – د.محمد رشيد العويّد

حين تكون الزوجة معلمة والزوج تلميذاً
د.محمد رشيد العويّد

كانت تحكي لي معاناتها من زوجها الذي يهرب منها ولايصبر على حديثها، وينفر من الجلوس معها، حتى إنه يترك لها حرية الخروج من البيت متى شاءت، بل إنها تشعر أنه يكون سعيداً حين تتركه وحده، بينما تظهر أمارات القلق عليه حين تعود إلى بيتها.

سألتُها: ذكرتِ أنه لايصبر على حديثك، فهل يكثُر في حديثك نقده وتصحيح أخطائه؟

قالت: أنا أنصحه، وأوجِّهه، وأعِظُه، وهذا كله لمصلحته.

قلت: أنت تُسمِّينه نُصحاً وتوجيهاً ووعظاً، وهو يراه نقداً ولوماً وتعليماً.

قالت: أنا أريد له الخير.

قلت: النية وحدها لاتكفي لجعل زوجك يتقبل أن تكوني له مُعلِّمة ويكون بين يديك تلميذاً مُتعلِّماً.

قالت: لماذا تراه بهذه الصورة : معلمة وتلميذ؟ نحن زوجان متعاونان وينبغي أن يتقبَّل كُلّ منّا نصح الآخر !

قلت: هل تقبلين منه أن ينصحك ويوجهك؟

قالت: ماأحسب أني أحتاج إلى توجيه ونصح، فأنا أقوم بواجباتي كاملة ولاأُقصِّر في شيء!

قلت: هكذا تعتقدين!

قالت وقد انفعلتْ : هل ترى اعتقادي خاطئاً؟!

قلتُ محاولاً تخفيف انفعالها: أُقَدِّر كل ماتقومين به، ولاأُقلِّل ممّا تبذلينه من جُهد وعمل لتكون أسرتكِ مثالية.

قالت: إذن فأنا لاأحتاج إلى نُصحه وتوجيهه! بمَ ينصحني وأنا لاأُقَصِّر في شيء؟

قلتُ: لعلّ أول ماينصحك به، بل ويرجوك من أجله: أن تُخفِّفي من نصحك له، وأن تُقدِّري مايقوم به، وألّا تخاطبيه وكأنه طفل من أطفالك يحتاج تربيةً وتعليماً وتوجيهاً.

صمتت .. لم تُعلِّق على كلامي .. قرأتُ في وجهها إدراكها خطأ أسلوبها في مُعاملة زوجها.

بعد لحظات صمت قصير قالت: كان هذا غائباً عني. صدّقني أني لم أفطن إليه، لكني الآن أوافقك عليه. نعم، هذا ماكان يجعله يهرب مني ولايرتاح إلى كلامي.

قلت: بارك الله فيكِ، وإدراكك ذلك سيُعينُكِ الله به على جعل زوجك أقرب إليكِ وأطوع لكِ.

قالت: ماذا أفعل لأجعله كذلك؟

قلت: بتغيير أسلوب خطابك من تعليمي إلى تشاوُري.

قالت: لم أفهم.

قلت: بدلاً من أن تقولي له: افعل كذا، أو ينبغي أن تكون هكذا، قولي: مارأيك لوجربت أن تفعل كذا؟ ألاتوافقني لوكنت هكذا لكان الناس أقرب إليك…

قالت: نعم، مثل هذا الأسلوب سيجعله مُتقبِّلاً نصحي.

قلت: وأرجو أن لاتُشعريه بأنك تنصحينه؛ بل اجعليه يشعر أنه هو صاحب الاختيار، بل صاحب القرار.

قالت: كم جميل وحَسَن هذا.

قلت: اذكري لي عادة من عادات زوجك السيئة التي عملتِ على جعله يتركها.

قالت: تدخينه، إنه يُدخِّن بشراهة.

قلت: كيف كنتِ تفعلين لجعله يقلع عنه؟

قالت: كنتُ أُنكر رائحة فمه الكريهة بسبب التدخين، وأُعبِّر عن نفوري منها ومنه، وأقول له: أنت قدوة سيئة لأطفالك الذين يقتدون بك ويرونك مثلاً لهم . وأحياناً أقول له: خنقتنا بدخّان سجائرك ! وأُخوِّفه بالموت فأُذكِّره بأن أعمار المُدخِّنين قصيرة.

ابتسمتُ وقلتُ: وهل نجحتِ في جعله يترك التدخين؟

قالت: لا، بل زاد إصراراً عليه وعِناداً لي.

قلت: هذا طبيعي.

قالت في استنكار: طبيعي؟!!

قلت: أقصد أن عدم استجابته طبيعي، لأن أمثال هذه الكلمات والعبارات لاتصلح لصرف الرجل عن هذه العادة السيئة.

قالت: ماذا كان يجب عليّ أن أفعل؟ ماذا كان عليّ أن أقول؟!

قلت: كان عليك أن تقولي له عبارات زاخرة بالحب له، والشفقة عليه، والحرص على صحته.

قالت: مثل ماذا؟

قلت: قولي له: لو تعلم كم أحبك، وأحب أن نعيش معاً لنكمل رسالتنا في تربية أبنائنا وتعليمهم ثم تزويجهم لنفرح أنا وأنت بهم، وبأحفادنا منهم، لكن تدخينك الذي يُدَمِّر صحتك ويُهدِّد حياتك، يجعلني أخاف عليك، وكيف لاأخاف عليك وأنا أرى أمراض السرطان تفتك بملايين المدخّنين. أرجوك، اسمح لي أن أُعينك على تركه لتسترجع صحتك، وتبقى معنا، ونُكمل مشوار حياتنا إلى آخر العُمر.

قالت: كان عليّ أن ألتقيك قبل زمن طويل؛ لأتعلم منك هذا الذي لم تُعلِّمني إياه أُمي، ولم يُعلّمني إياه أبي، ولم أتعلّمه في مدرسة ولاجامعة.